طريق الهجرتين

خلفهم١ هو رغبتهم٢ في الدنيا وحرصهم عليها٣. وقال الحسن: ما بين أيديهم هو حبّ ما كان عليه آباؤهم من الشرك وتكذيب الرسل، وما خلفهم تكذيبهم بالبعث وما بعده.

وفي الآية قولٌ رابع، وهو أنَّ التزيين كلّه راجع إلى أعمالهم، فزيَّنوا لهم ما بين أيديهم: أعمالَهم التي عملوها، وما خلفهم: الأعمال التي هم عازمون عليها ولمَّا يعملوها بعد، وكأنَّ لفظ التزيين بهذا القول أليق.

ومن جعل ما خلفهم هو الآخرة لم يستقم قوله إلا بإضمار، أي: زيّنوا لهم التكذيب بالآخرة. ومع هذا فهو قول مستقيم ظاهر، فإنَّهم زيّنوا لهم ترك العمل لها والاستعداد للقائها.

ولهذا كان عليه جمهور أهل التفسير حتَّى لم يذكر البغوي غيره٤. وحكاه عن الزجّاج فقال: وقال الزجاج: سبَّبنا لهم قرناءَ نظراء من الشياطين حتَّى أضلّوهم، فزيّنوا لهم ما بين أيديهم من أمر الدنيا حتَّى آثروه على الآخرة وما خلفهم من أمر الآخرة، فدعوهم إلى التكذيب به وإنكار البعث٥.

  1. (١) "هو التكذيب. . . " إلى هنا ساقط من "ط".
  2. (٢) "ط": "ترغيبهم".
  3. (٣) زاد هنا في "ط": "وما خلفهم هو التكذيب بالآخرة"، وهو تكرار، وفي القطرية سقط هنا بعض الكلام.
  4. (٤) معالم التنزيل (٧/ ١٧١).
  5. (٥) ليس في هذا النقل من قول الزجّاج إلّا "سبّبنا" تفسير "قيّضنا". ونص قوله: "يقول: زينوا لهم أعمالهم التي يعملونها ويشاهدونها، و"ما خلفهم": وما يعزمون أن يعملوه" وهذا هو القول الرابع الذي ذكره المؤلف من قبل، وكذا نقله القرطبي (١٥/ ٢٣١) عن الزجّاج. أما تفسير البغوي فهو قول مجاهد =
914

والمقصود أنَّ قوله تعالى: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ٢٥﴾ [فصلت/ ٢٥] أي: وجب عليهم العذاب مع أمم قد مضت من قبلهم من الجنّ والإنس. ففي هذا أبين دليل على تكليف الثقلين وتعلّق الأمر والنهي بهم، ولذلك١ تعلّق بهم الثواب والعقاب.

وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾٢ [الأنعام/ ١٢٨].

وهذا صريح في تكليفهم، فإنَّ هذا القول يقال للجنّ في القيامة، فيذكر الإنس استمتاعَ بعضهم ببعض في الدنيا، وذلك الاستمتاع هو ما بين الجنّ والإنس من طاعتهم إيَّاهم في معصية اللَّه، وعبادتهم لهم دون اللَّه، ليستعينوا بهم على شهواتهم وأغراضهم. فإنَّهم كانوا يستوحونهم، ويعوذون بهم٣، ويذبحون لهم وبأسمائهم، ويوالونهم من دون اللَّه، كما هو شأن أكثر المشركين من أولياءِ الشيطان٤. فهذا استمتاع بعضهم ببعض.

ولهذا يقول تعالى للملائكة يوم القيامة -وقد جمع العابدين والمعبودين٥ -: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا

  1. = كما في تفسير القرطبي.
  2. (١) وكذا "ك، ط": "كذلك". "ط": "تعلّق الثواب والعقاب بهم".
  3. (٢) اختصرت الآية في "ك، ط".
  4. (٣) "ف": "ويغرّونهم"، تحريف.
  5. (٤) "ف": "الشياطين"، خلاف الأصل.
  6. (٥) "ف": "العابدون والمعبودون"، سهو.
915

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي