السابع: أنَّهم قالوا: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ٣١﴾. وهذا يدلّ على أنَّ من لم يستجب منهم لداعي اللَّه لم يُجِرْه من العذاب الأليم. وهذا صريح في تعلق الشريعة الإسلامية بهم.
الثامن: أنَّهم قالوا: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ﴾. وهذا تهديد شديد لمن تخلَّف عن إجابة داعي اللَّه منهم. وقد استدلّ بهذا١ أنَّهم كانوا متعبدين بشريعة موسى، كما هم متعبَّدون بشريعة محمد ﷺ. وهذا ممكن، والآية لا تستلزمه، ولكن قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ﴾ الآية [الأنعام/ ١٣٠] يدلّ على أنَّ الجنّ كانوا متعبّدين بشرائع الرسل قبل محمد ﷺ، والآيات المتقدِّمة تدلّ على ذلك أيضًا. وعلى هذا فيكون اختصاص النبي ﷺ بالبعثة إلى الثقلين هو اختصاصه بالبعثة إلى جميعهم لا إلى بعضهم، ومن قبله كان يبعث إلى طائفة مخصوصة.
وأيضًا فقد قال تعالى عن نبيّه سليمان: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾[سبأ/ ١٢]. وهذا
وقد صحَّ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قرأ عليهم القرآن، وأنَّهم سألوه الزاد لهم ولدوابّهم، فجعل لهم كلَّ عظم ذُكِرَ اسمُ اللَّه عليه، وكلُّ بعرة علفٌ لدوابّهم. ونهانا عن الاستنجاء بهما٢.
ولو لم يكن في هذا إلا قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ١٥﴾[الإسراء/ ١٥] -وقد أخبر أنَّه يعذّب كفرةَ الجنّ- لكفى به حجةً على أنَّهم مكلَّفون باتباع الرسل.
وممَّا يدلّ على أنَّهم مأمورون منهيُّون بشريعة الإسلام ما تضمّنته سورة الرحمن. فإنَّه سبحانه ذكر خلق النوعين في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ١٤ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ١٥﴾. ثمَّ خاطب النوعين بالخطاب المتضمّن لاستدعاءِ الإيمان منهم، وإنكار تكذيبهم بالآية، وترغيبهم في وعده، وتخويفهم من وعيده، وتهديدهم بقوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ ٣١﴾، وتخويفهم من عواقب ذنوبهم، وأنَّه لعلمه بها لا يحتاج أن يسألهم عنها سؤال استعلام، بل يعرف
(١) اختصر في نقل الآية في "ك، ط".
(٢) كما في حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٦٠) وغيره؛ وحديث ابن مسعود ﵁، أخرجه مسلم في كتاب الصلاة (٤٥٠).