وقد صحَّ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قرأ عليهم القرآن، وأنَّهم سألوه الزاد لهم ولدوابّهم، فجعل لهم كلَّ عظم ذُكِرَ اسمُ اللَّه عليه، وكلُّ بعرة علفٌ لدوابّهم. ونهانا عن الاستنجاء بهما٢.
ولو لم يكن في هذا إلا قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ١٥﴾[الإسراء/ ١٥] -وقد أخبر أنَّه يعذّب كفرةَ الجنّ- لكفى به حجةً على أنَّهم مكلَّفون باتباع الرسل.
وممَّا يدلّ على أنَّهم مأمورون منهيُّون بشريعة الإسلام ما تضمّنته سورة الرحمن. فإنَّه سبحانه ذكر خلق النوعين في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ١٤ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ١٥﴾. ثمَّ خاطب النوعين بالخطاب المتضمّن لاستدعاءِ الإيمان منهم، وإنكار تكذيبهم بالآية، وترغيبهم في وعده، وتخويفهم من وعيده، وتهديدهم بقوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ ٣١﴾، وتخويفهم من عواقب ذنوبهم، وأنَّه لعلمه بها لا يحتاج أن يسألهم عنها سؤال استعلام، بل يعرف
(١) اختصر في نقل الآية في "ك، ط".
(٢) كما في حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٦٠) وغيره؛ وحديث ابن مسعود ﵁، أخرجه مسلم في كتاب الصلاة (٤٥٠).
المجرمون منهم بسيماهم فيؤخذ بنواصيهم وأقدامهم١. ثمَّ ذكر عقاب الصنفين وثوابهم. وهذا كلّه صريح في أنَّهم هم المكلّفون المأمورون المنهيّون المثابون المعاقبون.
وفي الترمذي من حديث محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه قال: خرج رسول اللَّه ﷺ على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: "لقد قرأتها على الجنّ ليلة الجنّ فكانوا٢ أحسن مردودًا منكم، كنتُ كلَّما أتيتُ على قوله٣﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٢﴾ قالوا: لا شيء من نعمك ربَّنا نكذّب، فلك الحمد"٤. وهذا يدل على ذكائهم وفطنتهم ومعرفتهم بمواقع٥ الخطاب، وعلمهم أنَّهم مقصودون به.
وقوله في هذه السورة: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ ٣١﴾ وعيد للصنفين المكلّفين بالشرائع. قال قتادة: معناه فراغ الدنيا وانقضاؤها، ومجيء الآخرة والجزاء فيها، واللَّه تعالى لا يشغله شيءٌ عن شيء٦. والفراغ في اللغة يكون٧ على وجهين: فراغ من الشغل، وفراغ بمعنى القصد٨. وهو في هذا الموضع بالمعنى الثاني، وهو
(١) "ك، ط": "والأقدام".
(٢) "ك، ط": "وكانوا".
(٣) "ك، ط": "آية".
(٤) تقدّم تخريجه في ص (٩٠٩).
(٥) "ط": "بمؤنة"، تحريف.
(٦) لفظ قتادة في تفسير الطبري (٢٧/ ١٣٦): "دنا من اللَّه فراغ لخلقه".