وقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ ٣٩﴾، فأضاف الذنوب إلى الثقلين، وهذا دليل على أنَّهما سواء٢ في التكليف. واختلف في هذا السؤال المنفي، فقيل: هو وقت البعث والمصير إلى الموقف، لا يُسألون حينئذٍ. ويُسألون بعد إطالة الوقوف واستشفاعهم إلى اللَّه أن يحاسبهم ويُريحهم من مقامهم ذلك. وقيل: المنفي سؤال الاستعلام والاستخبار، لا سؤال المحاسبة والمجازاة. أي: قد علم اللَّه ذنوبهم، فلا يسألهم عنها سؤالَ من يريد علمها، وإنَّما يحاسبهم عليها.
فصل
فإذا عُلِمَ تكليفُهم بشرائع الأنبياء ومطالبتهم بها، وحشرهم يوم القيامة للثواب والعقاب، عُلِمَ أنَّ محسنهم في الجنَّة كما أنَّ مسيئهم في النَّار.
وقد دلَّ على ذلك قوله تعالى حكاية عن مؤمنيهم٣: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾٤[الجن/ ١٣]، وبهذه الحجَّة احتجَّ البخاري٥. ووجه الاحتجاج بها أنَّ البخس المنفيّ هو: نقصان الثواب، والرهق: الزيادة في العقوبة على ما
(١) انظر: مسائل نافع بن الأزرق في الإتقان (٢/ ٦٠)، وتفسير الطبري (١٧/ ١١١).
(٢) "ط": "سويًّا".
(٣) "ك، ط": "مؤمنهم".
(٤) نقلت الآية مختصرة في "ك، ط".
(٥) في ترجمة الباب (١٢) من كتاب بدء الخلق، كما سبق.
عمل، فلا يُنقص من ثواب حسناته ولا يُزاد١ في سيئاته. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ١١٢﴾[طه/ ١١٢] أي: لا يخاف زيادة في سيئاته ولا نقصًا في حسناته٢.
وأيضًا فقد قال تعالى في سورة الرحمن: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ٤٦ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٧﴾ وذكر ما في الجنَّتين إلى قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ٥٦﴾. وهذا يدلّ على أنَّ ثواب محسنهم الجنَّة من وجوه:
أحدها: أنَّ "مَنْ" من صيغ العموم، فتتناول كلّ خائف.
الثاني: أنَّه رتَّب الجزاءَ المذكور على خوف مقامه، فدلّ على استحقاقه به.
وقد اختلف في إضافة المقام إلى الربّ: هل هي من إضافة المصدر إلى فاعله، أو إلى مفعوله؟ على قولين٣: أحدهما: أنَّ المعنى: ولمن خاف مقامه بين يدي ربه. فعلى هذا هو من إضافة المصدر إلى المفعول. والثاني: أنَّ المعنى: ولمن خاف مقام ربه عليه واطلاعه عليه. فهو من باب إضافة المصدر إلى فاعله. وكذلك القولان في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ٤٠﴾[النازعات/ ٤٠]. ونظيره قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ١٤﴾[إبراهيم/ ١٤] فهذه ثلاثة مواضع.
(١) "ك، ط": "يزداد".
(٢) "ك": "زيادة سيئاته ولا نقصان من حسناته"! وكذا في "ط" بحذف "من".
(٣) انظر: تفسير البغوي (٧/ ٤٥١)، والكشاف (٤/ ٤٥١).