طريق الهجرتين

وكان يدعو: "يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك"١. يعلم٢ ﷺ أن قلبه بيد الرحمن ﷿ لا يملك هو٣ منه شيئًا، وأنَّ اللَّه ﷿ يصرفه كما يشاء، كيف وهو يتلو قوله ﷿: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ٧٤﴾ [الإسراء/ ٧٤].

فضرورته ﷺ إلى ربه وفاقته إليه بحسب معرفته به، وبحسب٤ قربه منه ومنزلته عنده، وهذا أمر إنَّما لمن بعده منه٥ ما يرشح من ظاهر الوعاءِ. ولهذا كان أقربَ الخلق إلى اللَّه وسيلة، وأعظمهم عنده جاهًا، وأرفعهم عنده منزلة؛ لتكميله مقام العبودية والفقر إلى ربه ﷿.

  1. = والحديث أعلَّه النسائي بجعفر بن ميمون، فقال: ليس بالقوي. ووافقه المنذري. وجعفر له منكرات، وقد تفرَّد بهذا اللفظ في الحديث.
    والحديث صحَّحه ابن حبان، وحسَّن إسناده الهيثمي، وابن حجر. انظر: مجمع الزوائد (١٠/ ١٣٧)، ونتائج الأفكار (٢/ ٣٦٩)، وجاء عن أنس عند النسائي في عمل اليوم والليلة (٥٧٠)، قال ابن حجر: "حسن غريب"، وانظر الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٢٩١) (٢١٨). (ز).
  2. (١) أخرجه أحمد (١٧٦٣٠) مطوَّلًا، وابن ماجه (١٩٩)، وابن حبان (٩٤٣)، والحاكم (١/ ٧٠٦) (١٩٢٦) وابن منده في التوحيد (١٢٠) وغيرهم من حديث النواس بن سمعان ﵁. والحديث صحَّحه ابن حبان والحاكم وابن منده والبوصيري. انظر: مصباح الزجاجة (١/ ٢٧). وجاء هذا المتن عن جماعة من الصحابة. راجع السنة لابن أبي عاصم (٢٣٧،٢٣٢، ٢٤٠) وغيره (ز).
  3. (٢) "ك": "فعلم".
  4. (٣) "هو": ساقط من "ط".
  5. (٤) "بحسب" ساقط من "ك". وفي"ط": "وحسب قربه".
  6. (٥) "ك": "إنَّما هو لمن بعده ما"، ثم ضرب بعض القراء على "هو". وفي "ط": "إنَّما بدا منه لمن بعده ما".
17

وكان يقولُ لهم: "أيها النَّاس، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي، إنَّما أنا عبد"١ وكان يقول: "لا تطروني كما أطرت النصارى المسيحَ ابن مريم، إنَّما أنا عبد، فقولوا: عبد اللَّه ورسوله"٢.

وذكره اللَّه ﷿ بسمة العبودية في أشر مقاماته: مقام الإسراء، ومقام الدعوة، ومقام التحدى٣. فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء/ ١]. وقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن/ ١٩]، وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة/ ٢٣]. وفي حديث الشفاعة: "إنَّ المسيح يقول لهم: اذهبوا إلى محمد عبدٍ غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"٤. فنالَ ذلك المقام بكمال عبوديته للَّه وبكمال مغفرة اللَّه له.

وتأمَّل٥ قوله في الآية: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر/ ١٥] فعلَّق الفقر إليه باسمه "اللَّه"٦ دون اسم الربوبية ليؤذن بنوعي الفقر، فإنَّه

  1. (١) أقرب لفظ لما ساقه المؤلف ورد عن الحسين بن علي ﵄. أخرجه الدولابي في الذرية الطاهرة (١٥٩) بلفظ "يا أيها النَّاسُ لا ترفعوني فوق حقي، فإن اللَّه ﷿ قد اتخذني عبدًا قبل أن يتخذني نبيًّا".
    وأخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ١٣٨ - ١٣٩) (٢٨٨٩)، والحاكم في المستدرك (٣/ ١٩٧) (٤٨٢٥) بنحوه.
    والحديث صحَّحه الحاكم وحسَّنه الهيثمي في المجمع (٩/ ٢١) (ز).
  2. (٢) من حديث عمر بن الخطاب ﵁. أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء (٣٤٤٥) وغيره.
  3. (٣) وانظر: مفتاح دار السعادة (١/ ١١٠).
  4. (٤) أخرجه البخاري من حديث أنس بن مالك ﵁ في كتاب التفسير (٤٤٧٦) وغيره.
  5. (٥) "ك، ط": فتأمَّل".
  6. (٦) "ك، ط": "باسم اللَّه". وسقط من "ط": "فعلق الفقر إليه".
18

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي