إليه، وطلبًا لمرضاته؟ أم يكون البذل والإمساك منهم صادرًا عن مراد النفس، وغلبة الهوى، وموجب الطبع، فيعطي لهواه ويمنع لهواه؟ فيكون متصرّفًا تصرّف المالك لا المملوك، فيكون مصدرُ تصرّفه الهوى ومرادَ النفس، وغايتُه الرغبةَ فيما عند الخلق من جاه أو رفعة أو منزلة أو مدح أو حظ من الحظوظ، أو الرهبةَ من فوت شيء من هذه الأشياءِ. وإذا كان مصدر تصرّفه وغايته هو هذه الرغبة والرهبة رأى نفسه لا محالة مالكًا، فادعى الملكة١، وخرج عن حدّ العبوديّة، ونسي فقره. ولو عرف نفسه حقّ المعرفة لعلم أنما هو مملوك ممتحَن في صورة مالك٢ متصرّف، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ١٤﴾[يونس/ ١٤].
وحقيق بهذا الممتحَن أن يُوكَل إلى ما ادّعته نفسه من الحالات والملكات مع المالك الحقّ سبحانه، فإنّ من ادّعى لنفسه حالةً مع اللَّه وُكِلَ إليها. ومن وُكِل إلى شيء غير اللَّه فقد أتيح٣ له بابُ الهلاك والعطَب، وأغلق عنه بابُ الفوز والسعادة؛ فإنّ كل شيء ما سوى اللَّه باطل، ومن وُكِلَ إلى الباطل بطل عمله، وضل سعيه، ولم يحصل إلّا على الحرمان.
فكلّ من تعلّق بشيء غير اللَّه٤ انقطع به أحوجَ ما كان إليه، كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ
(١) "ك، ط": "الملك".
(٢) "ك، ط": "ملِك".
(٣) "ك، ط": "فتح".
(٤) "ك، ط": "تعلق بغير اللَّه".
الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ [البقرة/ ١٦٦]. فالأسباب التي تقطعت بهم هي العلائق التي كانت١ بغير اللَّه ولغير اللَّه، قُطِعت٢ بهم أحوجَ ما كانوا إليها، وذلك لأن تلك الغايات لما اضمحلّت وبطلت اضمحلّت أسبابها وبطلت، فإنّ الأسباب تبطل ببطلان غاياتها وتضمحل باضمحلالها. وكلُّ شيء هالكٌ إلّا وجهه سبحانه، فكل عمل٣ باطلٌ إلّا ما أريد به وجهه، وكلّ سعي لغيره فباطل٤ ومضمحل.
وهذا كما يشاهده الناس في الدنيا من اضمحلال السعي والعمل والكدّ والخدمة التي يفعلها العبد لمتولٍّ أو أمير أو صاحب منصب أو مال، فإذا زال ذلك الذي عمل له وعُدِمَ ضلّ ذلك٥ العمل، وبطل ذلك السعي، ولم يبق في يده سوى الحرمان.
ولهذا يقول اللَّه تعالى يوم القيامة: "أليس عدلًا منّي أن٦ أُولِّيَ كلَّ رجلٍ منكم ما كان يتولّى في الدنيا؟ "٧ فيتولّى عُبّاد الأصنام والأوثان
(١) "كانت": ساقط من "ك، ط".
(٢) "ك، ط": "تقطعت".
(٣) "ك، ط": "وكل عمل".
(٤) "ك، ط": "باطل".
(٥) "ك، ط": "عمل له عدم ذلك".
(٦) "ط": "أني".
(٧) أخرجه عبد اللَّه في السنة (١٢٠٣)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة (٣١)، والطبراني (٩٧٦٣)، والحاكم في المستدرك (٢: ٤٠٨) (٣٤٢٤) وغيرهم مطوَّلًا من حديث ابن مسعود. والحديث صحَّحه ابن منده والحاكم. وقد اختلف في رفعه ووقفه، ورجَّح الدَّارقطني رفعه. وقال الذهبي: ما أنكره حديثًا على جودة إسناده! (ز).