طريق الهجرتين

الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ [البقرة/ ١٦٦]. فالأسباب التي تقطعت بهم هي العلائق التي كانت١ بغير اللَّه ولغير اللَّه، قُطِعت٢ بهم أحوجَ ما كانوا إليها، وذلك لأن تلك الغايات لما اضمحلّت وبطلت اضمحلّت أسبابها وبطلت، فإنّ الأسباب تبطل ببطلان غاياتها وتضمحل باضمحلالها. وكلُّ شيء هالكٌ إلّا وجهه سبحانه، فكل عمل٣ باطلٌ إلّا ما أريد به وجهه، وكلّ سعي لغيره فباطل٤ ومضمحل.

وهذا كما يشاهده الناس في الدنيا من اضمحلال السعي والعمل والكدّ والخدمة التي يفعلها العبد لمتولٍّ أو أمير أو صاحب منصب أو مال، فإذا زال ذلك الذي عمل له وعُدِمَ ضلّ ذلك٥ العمل، وبطل ذلك السعي، ولم يبق في يده سوى الحرمان.

ولهذا يقول اللَّه تعالى يوم القيامة: "أليس عدلًا منّي أن٦ أُولِّيَ كلَّ رجلٍ منكم ما كان يتولّى في الدنيا؟ "٧ فيتولّى عُبّاد الأصنام والأوثان

  1. (١) "كانت": ساقط من "ك، ط".
  2. (٢) "ك، ط": "تقطعت".
  3. (٣) "ك، ط": "وكل عمل".
  4. (٤) "ك، ط": "باطل".
  5. (٥) "ك، ط": "عمل له عدم ذلك".
  6. (٦) "ط": "أني".
  7. (٧) أخرجه عبد اللَّه في السنة (١٢٠٣)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة (٣١)، والطبراني (٩٧٦٣)، والحاكم في المستدرك (٢: ٤٠٨) (٣٤٢٤) وغيرهم مطوَّلًا من حديث ابن مسعود.
    والحديث صحَّحه ابن منده والحاكم. وقد اختلف في رفعه ووقفه، ورجَّح الدَّارقطني رفعه. وقال الذهبي: ما أنكره حديثًا على جودة إسناده! (ز).
22

أصنامَهم وأوثانَهم، فتتساقط بهم في النار. ويتولّى عابدو الشمس والقمر والنجوم آلهتهم، فإذا كوّرت الشمس، وانتثرت النجوم اضمحلّت تلك العبادة، وبطلت، وصارت حسرةً عليهم ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ١٦٧﴾ [البقرة/ ١٦٧].

ولهذا كان المشرك من أخسر الناس صفقةً وأغبنهم يوم معاده، فإنه يحال على مفلس كلَّ الإفلاس بل على عدم، والموحّد حوالته على المليء الكريم، فيا بُعدَ ما بين الحوالتين!

وقوله: "البراءَة من رؤية الملكة". ولم يقل "من الملكة"١ لأنّ الإنسان قد يكون فقيرًا لا ملكة له في الظاهر، وهو عرفي عن التحقّق٢ بنعت الفقر الممدوحِ أهلُه الذين لا يرون مَلَكةً إلّا لمالكها الحقّ ذي٣ الملك والملكوت. وقد يكون العبد قد فُوض إليه من ذلك شيءٌ وجُعِلَ كالخازن فيه، كما كان سليمان بن داود ﷺ أوتي مُلْكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وكذلك الخليل وشعيب والأغنياءُ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكذلك أغنياءُ الصحابة. فهؤلاءِ لم يكونوا بريئين من الملكة في الظاهر، وهم بريئون من رؤية الملكة لنفوسهم، فلا يرون لها ملكًا حقيقيًا، بل يرون ما في أيديهم للَّه عاريةً ووديعةً في أيديهم، ابتلاهم به لينظر هل يتصرّفون فيه تصرَّفَ العبيد أو تصرَّفَ الملّاك الذين يعطون لهواهم ويمنعون لهواهم.

  1. (١) بلى، كذا ورد في بعض نسخ منازل السائرين التي اعتمد المؤلف عليها في مدارج السالكين (٢/ ٤٩٧).
  2. (٢) "ف، ك": "التحقيق"، خطأ.
  3. (٣) في الأصل: "ذو"، سهو، وكذا في "ن".
23

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي