طريق الهجرتين

فاقات١ أهل القلوب والأرواح لذهل عن النظر إلى نفسه بالترك والزهد٢. فصاحب هذه الدرجة معافى من هذه الأمراض كلّها: من مرض الضبط، والطلب، والذم، والمدح، والترك. فهي بأسرها، وإن كان بعضها ممدوحًا في العلم مقصودًا يستحق المتحقق به الثواب والمدح، لكنَّها آثار وأشكال مشعرة بأنَّ صاحبها لم يذُقْ حال الخلوّ والتجريد الباطن، فضلًا عن أن يتحقق بشيءٍ٣ من الحقائق المتوقعة المتنافس فيها.

فصاحب هذه الدرجة متوسط بين درجتي الداخل٤ بكليته في الدنيا قد ركن إليها، واطمأنَّ إليها، واتخذها وطنًا، وجعلها له سكنًا؛ وبين من نفضها بالكلية من قلبه ولسانه، وتخلص من قيودها ورعوناتها٥ وآثارها، وارتقى إلى ما يسبي٦ القلبَ ويُحييه ويُفرحه ويُبهجه من جذَبات العزَّة٧. فهو في البرزخ كالحامل المقْرِب، ينتظر ولادة الروح والقلب صباحًا ومساءً، فإن من لم تولد روحه وقلبه، ويخرجْ من مشيمة نفسه، ويتخلّصْ من ظلمات طبعه وهواه وإراداته٨، فهو كالجنين في بطن أمه الذي لم ير الدنيا وما فيها. فهكذا هذا الذي

  1. (١) "ط": "مذاقات"، تحريف.
  2. (٢) "ك، ط": "بالزهد والترك".
  3. (٣) "بشيء" "ساقط من "ك، ط".
  4. (٤) "ف": "درجتين الداخل"، أخطأ في القراءة.
  5. (٥) "ط": "رعونتها".
  6. (٦) "ط": "يسر"، تحريف.
  7. (٧) "ف": "حدثات الغرة"، تصحيف.
  8. (٨) "ك، ط": "إرادته".
28

هو١ بعدُ في مَشِيمة النفس والظلمات الثلاث التي٢ هي: ظلمة النفس، وظلمة الطبع، وظلمة الهوى. فلا بدَّ من الولادة مرَّتين كما قال المسيح للحواريين: "إنَّكم لن تلِجوا ملكوتَ السماء حتى تولَدوا مرَّتين"٣.

ولذلك كان النبي ﷺ أبًا للمؤمنين، كما في قراءة أُبيّ: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم"٤. ولهذا تفرع على هذه الأبوة أن جُعِلت أزواجه أمّهاتِهم، فإن أرواحهم وقلوبهم وُلِدت به ولادةً أخرى غيرَ ولادة الأمهات، فإنّه أخرج أرواحهم وقلوبهم من ظلمات الجهل والضلال والغيّ إلى نور العلم والإيمان وفضاء المعرفة والتوحيد، فشاهدتْ حقائق أُخر وأمورًا لم يكن لها بها شعور قبله.

قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ١﴾ [إبراهيم/ ١].

وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ٢﴾ [الجمعة/ ٢].

وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ

  1. (١) "هو": ساقط من "ط".
  2. (٢) "التي" ساقط من "ط"، وفي "ك": "الذي"، خطأ. المدارج (٢/ ٤٩٧ - ٥٠٢).
  3. (٣) سيأتي قول المسيح هذا مرَّة أخرى في ص (٣٩٧).
  4. (٤) نقل المصنف قول المسيح المذكور وتفسيره وقراءة أبي بن كعب والاستدلال بها في مدارج السالكين (٣/ ٣٤) عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وانظر منهاج السنة (٥/ ٢٣٨).
29

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي