طريق الهجرتين

كما قال١:

أتاني هواها قبلَ أنْ أعرفَ الهوىفصادفَ قلبًا خاليًا فتمكنا٢

ففقرُ صاحب هذه الدرجة تفريغُه إناءه من كلِّ شراب مسكرٍ، وكلُّ شراب غير شراب المحبة والمعرفة فمسكرٌ٣ ولا بد، "وما أسكر كثيره فقليلهً حرام"٤، وأين سكر الهوى والدنيا إلى٥ سكر الخمر! وكيف يوضع شرابُ التسنيم الذي هو أعلى أشربة المحبين في إناءٍ ملآن بخمر الدنيا والهوى، لا يفيق٦ من سكره ولا يستفيق! ولو فارق هذا السكر القلبَ لطار بأجنحة الشوق إلى اللَّه والدار الآخرة، ولكن رضيَ المسكين بالدون، وباع حظه من قرب اللَّه ومعرفته وكرامته بأخسِّ الثمن صفقةَ خاسرٍ مغبونٍ، فسيعلم أيَّ حظٍّ أضاع إذا فاز المحبون، وخسر المبطلون!

  1. (١) "ك، ط": "قال بعضهم".
  2. (٢) من الأبيات المشهورة، وقد أنشده المؤلف في مفتاح دار السعادة (١/ ٥٤٦)، وإغاثة اللهفان (١/ ١٨١)، وروضة المحبين (١٨٧، ٢٤٠)، ونسبه في الموضع الأخير إلى قيس بن الملوّح. وهو في ديوانه (٢١٩). وينسب إلى غيره.
  3. (٣) "ط": "من كل شراب غير شراب المحبة والمعرفة لأنَّ كل شراب فمسكر".
  4. (٤) من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄. أخرجه أحمد في المسند (٦٦٧٤)، والنسائي (٨/ ٣٠٠)، وابن ماجه (٣٣٩٤) وغيرهم، وسنده حسن. وورد هذا المتن عن جابر وأنس وعائشة وابن عمر ﵃ (ز).
  5. (٥) "ك، ط": "من".
  6. (٦) "ط": "ولا يفيق".
34
فصل [مقتضيات الدرجة الثانية من الفقر]

وإذا كان التلوث بالأعراض١ قيدًا يقيد القلوبَ عن سفرها إلى بلد حياتها ونعيمها الذي لا سكن لها غيره، ولا راحة لها إلا فيه، ولا سرور لها إلا في منازله، ولا أمن لها إلا بين أهله؛ فكذلك الذي قد باشر٢ قلبُه روحَ التأله، وذاق طعمَ المحبة، وآنسَ نارَ المعرفة، له أعراضٌ دقيقة حاليّة تقيد قلبَه عن مكافحة صريح الحق، وصحة الاضطرار إليه، والفناء التام به، والبقاء الدائم بنوره الذي هو المطلوب من السير والسلوك، وهو الغاية التي شمَّر إليها السالكون، والعلَم الذي أمّه العابدون، ودندن حوله العارفون. فجميع ما يحجب عنه أو يقيد القلبَ نظرُه وهمُّه يكون حجابًا يحجب الواصلَ، ويوقف السالك، وينكس الطالب. فالزهد فيه على أصحاب الهمم العلية متعيِّن تعيُّنَ الواجب المعيّن٣ الذي لا بد منه، وهو كزهد السالك إلى الحج في الظلال والمياه التي يمر بها في المنازل.

فالأوَّل مقيد عن الحقائق برؤية الأعراض، والثاني مقيد عن النهايات برؤية الأحوال، فتقيّد كل منهما عن الغاية المطلوبة، وترتب على هذا

  1. (١) ضبطت الكلمة في الأصل هنا بالعين المهملة، وفي الموضع التالي بالمعجمة، ثمَّ بالمهملة، وستأتي مرَّة أخرى في ص (٤٥) بالمهملة، وفي "ف" في الموضعين الأولين بالمعجمة ثمَّ بالمهملة، ولعل الصواب بالمهملة كما أثبتنا، وكذا في "ن، ك" في المواضع المذكورة كلها.
  2. (٢) "ك، ط": "الذي باشر".
  3. (٣) "المعين": ساقط من "ك، ط".
35

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي