طريق الهجرتين

القيد عدمُ النفوذ١، وذلك مؤخّر مخلّف.

وإذا عَرَفَ العبدُ هذا وانكشف له علمُه تعيَّن عليه الزهدُ في الأحوال والفقرُ منها، كما تعين عليه الزهدُ في المال والشرف وخلوُّ قلبه منهما. وكما٢ كان موجَبُ الدرجة الأولى من الفقرِ الرجوعَ إلى الآخرة، فأوجب الاستغراقُ في همَّ الآخرة نفضَ اليدين من الدنيا ضبطًا أو طلبًا، وإسكات اللسان عنها مدحًا أو ذمًّا؛ فكذلك٣ كان موجَبُ هذه الدرجة الثانية الرجوعَ إلى فضل اللَّه ﷿، ومطالعة سبقه للأسباب٤ والوسائط. فبفضل اللَّه وبرحمته٥ وُجِدتْ منهم٦ الأحوال٧ الشريفة، والمقامات العلية، وبفضله ورحمته وصلوا إلى رضاه ورحمته وقربه وكرامته وموالاته.

وكان سبحانه هو الأوَّل في ذلك كلّه، كما أنَّهُ الأوَّل في كلِّ شيء؛ وكان هو الآخر في ذلك، كما هو الآخر في كل شيء. فمن عبده باسمه الأوَّل الآخر٨ حصل٩ له حقيقة هذا الفقر، فإن انضاف إلى ذلك

  1. (١) سيأتي تفسير "النفوذ" في ص (٣٨٨ - ٣٨٩).
  2. (٢) في الأصل وغيره: "لما"، والصواب ما أثبتنا.
  3. (٣) "ط": "وكذلك".
  4. (٤) "ك، ط": "الأسباب".
  5. (٥) "ك، ط": "ورحمته".
  6. (٦) "ك، ط": "منه".
  7. (٧) "ك، ط": "الأقوال"، تحريف.
  8. (٨) "ن، ك، ط": "والآخر".
  9. (٩) "ك، ط": "حصلت".
36

عبوديته باسمه "الظاهر الباطن"١ فهذا هو العارف الجامع لمتفرقات التعبد ظاهرًا وباطنًا.

فعبوديته باسمه "الأوَّل" تقتضي التجردَ من مطالعة الأسباب والوقوف عندها٢ والالتفات إليها، وتجريدَ النظرِ إلى مجرد سبق فضله ورحمته وأنَّه هو المبتدئ بالإحسان من غير وسيلة من العبد، إذ لا وسيلة له في العدم قبل وجوده، وأي وسيلة كانت هناك! وإنَّما هو عدم محض، وقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورًا. فمنه الإعداد، ومنه الإمداد، وفضله سابق على الوسائل، والوسائل من مجرد فضله وجوده لم تكن بوسائل أخرى، فمن نزَّل اسمه الأوَّل على هذا المعنى أوجبَ له ذلك٣ فقرًا خاصًّا وعبودية خاصة.

وعبوديته باسمه "الآخر" تقتضي أيضًا عدم ركونه ووثوقه بالأسباب والوقوف معها، فإنَّها تُعدَم٤ لا محالة، وتنقضي بالآخرية، ويبقى الدائم الباقي بعدها. فالتعلق بها تعلُّقٌ بما يُعدَم وينقضي، والتعلق بالآخِر سبحانه تعلقٌ بالحي الذي لا يموتُ ولا يزول فالتعلُّق٥ به حقيق أن لا يزول، ولا ينقطع، بخلاف التعلّق بغيره مما له آخِرٌ يفنى به. فكما٦ نظرُ العارفِ إليه بسبق الأوليّة حيث كان قبل الأسباب كلها،

  1. (١) " ن، ك، ط": "والباطن".
  2. (٢) "عندها": ساقط من "ك، ط".
  3. (٣) "ذلك" ساقط من "ك، ط".
  4. (٤) "ط": "تنعدم ".
  5. (٥) "ط": "فالمتعلّق"، وهو خطأ.
  6. (٦) "ط": "كذا".
37

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي