سلطان المحبة، واستيلاء المحبوب على قلبه بحيث يغيب عن ملاحظة سواه١، وفي مثل هذه الحال يقول: "سبحاني" أو "ما في الجبة إلا اللَّه"٢، ونحو هذا من الشطحات التي نهايتها أن تُغفرَ٣ له ويُعذر لسكره وعدم تمييزه في تلك الحال.
فالتعبد بهذا الاسم هو التعبد بخالص المحبة وصفو الوداد، وأن يكون الإله سبحانه أقرب إليه من كل شيء وأقرب إليه من نفسه، مع كونه ظاهرًا ليس فوقه شيء.
ومن كثُفَ ذهنُه وغلُظ طبعُه عن فهمِ هذا فليضرِبْ عنه صفحًا إلى ما هو أولى به٤، فقد قيل:
إذا لم تستطع شيئًا فدعهوجاوِزْه إلى ما تستطيع٥
فمن لم يكن له ذوقٌ مِن قرب المحبة، ومعرفةٌ بقرب المحبوب من محبّه غاية القرب، وإنْ كان بينهما غايةُ المسافة -ولاسيما إذا كانت المحبة من الطرفين، وهي محبة بريئة من العلل والشوائب والأعراض القادحة فيها- فإنَّ المحبَّ كثيرًا ما يستولي محبوبه على قلبه وذكره،
(٢) تنسب هذه الكلمات إلى أبي يزيد البسطامي (٢٦١ هـ) انظر مجموع الفتاوى (٨/ ٣١٣)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٨٨).
(٣) "ك، ط": "يغفر".
(٤) "به" ساقط من "ك"، وبعده فيها: "وقد قيل".
(٥) البيت لعمرو بن معد يكرب في مجموع شعره (١٤٥).
ويفنى عن غيره، ويرِقّ قلبه ولتجرَّد نفسه، فيشاهد محبوبه كالحاضر معه القريب إليه، وبينهما من البعد ما بينهما. وفي هذا١ الحال يكون في قلبه وجودُه العلمي، وفي لسانه وجودُه اللفظي، فيستولي هذا الشهودُ عليه ويغيبُ به، فيظن أنَّ في عينه٢ وجودَه الخارجي، لِغلبة حكم القلب والروح، كما قيل:
خيالُك في عيني، وذكرُكَ في فميومثواكَ في قلبي، فأين تغيب!٣
هذا، ويكون ذلك المحبوب بعينه بينه وبين عدوه من البعد ما بينهما٤، وإن قربت الأبدانُ وتلاصقت الديارُ. والمقصودُ أنَّ المثال العلمي غير الحقيقة الخارجية وإن كان مطابقًا لها، لكنّ المثال العلمي محلُّه القلب، والحقيقة الخارجيَّة محلُّها الخارج.
فمعرفة هذه٥ الأسماء الأربعة -وهي: الأوَّل، والآخر، والظاهر والباطن- هي أركان العلم والمعرفة، فحقيق بالعبد أن يبلغ في معرفتها إلى حيث ينتهي به قواه وفهمه.
واعلم أنَّ لك أنت أوَّلًا وآخرًا وباطنًا وظاهرًا٦، بل كل شي فله أوَّل
(١) "ك، ط": "هذه".
(٢) "ف": "غيبة"، تصحيف.
(٣) أنشده المصنف في روضة المحبين (١٠٠)، والداء والدواء (٢٨٥)، ومع بيت آخر في المفتاح (١/ ٤٣٨)، وهو لأبي الحكم ابن غَلِندو الأشبيلي الطبيب الشاعر (٥٨١ أو ٥٨٧ هـ). انظر: معجم الأدباء (١١٩٤).
(٤) "ك": "ما بينها من البعد". ط: "وما بينهما. . ".