إلى مولاه بمطالعة سبق فضله الأوَّل، فصارَ مقطوعًا عن شهود أمرٍ أو حالٍ ينسبه إلى نفسه، بحيث يكون بشهادته لحاله مفصومًا مقطوعًا عن رؤية عزةِ مولاه وفاطِرِه وملاحظة صفاته. فصاحب شهود الأحوال منقطع عن رؤية منَّة خالقِه وفضلِه، ومشاهدة سبق الأولية للأسباب كلها؛ وغائب بمشاهدة عزَّة نفسه عن عزَّة مولاه. فينعكس هذا الأمر في حقِّ هذا العبد الفقير، وتشغله رؤيةُ عزَّةِ مولاه ومنّته ومشاهدةُ سبقِه بالأولية عن حالٍ يعتزُ بها العبد أو يشرُف بها.
وكذلك الرجوعُ إلى السبق بمطالعة الفضل يمحِّصُ من أدناس مطالعات المقامات، فـ "المقام" ما كان راسخًا فيه، "والحال" ما كان عارضًا لا يدوم. فمطالعاتُ المقامات١، وتشرُّفُه٢ بها، وكونُه يرى نفسَه صاحبَ مقام قد حقَّقه وكمَّله، فاستحقَّ أن ينسب إليه، ويوصف به، مثل أن يقال: زاهدٌ صابرٌ خائفٌ راجٍ محبٌّ راضٍ = فكونُه يرى نفسَه مستحقًّا بأن تضاف المقاماتُ إليه وبأن يوصَف بها -على وجه الاستحقاق لها- خروجٌ عن الفقر إلى الغنى، وتعدٍّ لطور العبودية، وجَهلٌ بحقِّ الربوبية.
فالرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل يستغرقُ همة العبد، ويمحّصُه، ويُطهّره٣ من مثل هذه الأدناس، فيصير مصفًّى بنور اللَّه عن رذائل هذه الأرجاس.
(١) "ك، ط": "المقامة"، ثمَّ أصلحها بعضهم في "ك".
(٢) "ط": "تشوفه".
(٣) "ف": "تستغرق. . . تمحصه وتطهره" تصحيف.
[تفسير الدرجة الثالثة من الفقر]
قوله: "والدرجة الثالثة صحةُ الاضطرار، والوقوعُ في يدِ التقطع الوحداني، والاحتباسُ في قيد١ التجريد، وهذا فقر الصوفية".
هذه٢ الدرجة فوق الدرجتين السابقتين عند أرباب السلوك، وهي الغاية التي شمَّروا إليها وحاموا حولها. فإنَّ الفقر الأوَّل فقرٌ عن الأعراض الدنياوية٣، والفقر الثاني فقرٌ عن رؤية المقامات والأحوال، وهذا الفقر الثالث فقرٌ عن ملاحظة الوجود٤ الساتر للعبد عن مشاهدة الموجود٥، فيبقى الوجودُ الحادثُ٦ في قبضة الحق ﷿ كالهباء المنثور في الهواءِ، يتقلَّب بتقليبه إيَّاهُ، ويصير٧ في شاهد العبد كما هو في الخارج. فتمحو رؤيةُ التوحيد عن العبد شواهدَ استبدادِه واستقلاله بأمر من الأمور، ولو في النفس واللمحة والطرفة والهمة والخاطر والوسوسة، إلا بإرادة المريد الحق سبحانه وتدبيره وتقديره ومشيئته. فيبقى العبد كالكرة الملقاة بين صَولَجَانات القضاء والقدر، تُقلِّبها كيف
(١) "ط": "في بيداء قيد". والظاهر أن كلمة "بيداء" زيادة الناشر من مدارج السالكين. ولكن نسخة منازل السائرين التي ينقل المؤلف منها في هذا الكتاب تختلف عن نسخته التي كانت بين يديه عند تأليف المدارج.
(٢) "ك": "وهذه".
(٣) "ط": "الدنيوية".
(٤) "ك، ط": "الموجود".
(٥) كذا قرأت الأصل، وفي "ف" وغيرها: "الوجود".
(٦) رسم الكلمة في الأصل غير واضح، وكتب في حاشيته: "ظ"، وكتب ناسخ "ف" في الحاشية: "كذا". وفي "ن": "الحالي"، وفي حاشيتها: "كذا".