طريق الهجرتين

شاءَت، بصحةِ شهادة قيومية من له الخلقُ والأمرُ، وتفرّدِه بذلك دون ما سواه.

وهذا الأمر لا يُدْرَك بمجرَّد العلمِ، ولا يعرفه إلا من تحقَّق به، أو لاح له منه بارق. وربما ذَهَلَ صاحبُ هذا المشهد عن الشعور بوجوده لِغلبة شهود وجود القيوم عليه، فهناك يصحُّ من مثل هذا العبد الاضطرار إلى الحي القيوم، ويشهد١ في كل ذرَّة من ذرَّاته الظاهرة والباطنة فقرًا تامًّا إليه، من جهة كونه ربًّا، ومن جهة كونه إلهًا معبودًا لا غنى له عنه، كما لا وجود له بغيره. فهذا هو الفقر الأعلى الذي دارت عليه رحى القوم، بل هو قطب تلك الرحى.

وإنَّما يصحّ له هذا بمعرفتين لا بد منهما: معرفة حقيقة الربوبية والإلهية، ومعرفة حقيقة النفس والعبودية، فهنالك تتم له معرفة هذا الفقر. فإن أعطى هاتين المعرفتين حقَّهما من العبودية اتَّصف بهذا الفقر حالًا، فما أغناهُ حينئذٍ من فقير! وما أعزَّه من ذليل! وما أقواهُ من ضعيف! وما آنسه من وحيد! فهو الغنيُّ بلا مال، القوي٢ بلا سلطان، العزيز بلا عشيرة، المكفيّ٣ بلا عتاد! قد قرَّت عينه باللَّه، فقرَّت به كلُّ عين؛ واستغنى باللَّه، فافتقر إليه الأغنياء والملوك.

ولا يتمُّ له ذلك إلا بالبراءة من فَرْث الجبر ودَمِهِ٤، فإنَّه إن طرق بابَ الجبر انحلَّ عنه نظامُ العبودية، وخلع ربقةَ الإسلام من عنقه، وشهد

  1. (١) "ط": "شهد".
  2. (٢) تحته في "ف" بخط مختلف: "الغالب" مع علامة "صح".
  3. (٣) "ف": "المكتفي". أخطأ في القراءة وكتب في الحاشية: "ظ" أي انظر.
  4. (٤) انظر ما سلف عن هذا التعبير في ص (٤١).
54

أفعالَه كلَّها طاعات للحكم القدري الكوني، وأنشد:

أصبحتُ منفعلًا لما يختارهُمنِّي، ففعلي كلُّه طاعاتُ١

وإذا٢ قيل له: اتَّق اللَّه ولا تعصِه، يقول: إن كنتُ عاصيًا لأمره فأنا مطيع لحكمه وإرادته!٣ فهذا منسلخ من٤ الشرائع، بريءٌ من دعوة الرسل، شقيقٌ لعدوِّ اللَّه إبليس.

بل وظيفةُ الفقير في هذا الموضع وفي هذه الضرورة مشاهدةُ الأمر والشرع، ورؤيةُ قيامِه بالأفعال وصدورِها منه كسبًا واختيارًا، وتعلُّقِ الأمر والنهي بها طلبًا وتركًا، وترتُّبِ الذم والمدح عليها شرعًا وعقلًا، وتعلُّقِ الثواب والعقاب بها آجلًا وعاجلًا.

فمتى اجتمع له هذا الشهودُ الصحيحُ إلى شهود الاضطرار في حركاته وسكناته، والفاقةِ التامةِ إلى مقلِّب القلوب ومن بيده أزمّة الاختيار ومن إذا شاء وجب وجوده، وإذا لم يشأ امتنع وجوده، وأنَّه لا هادي لمن أضلَّه، ولا مضل لمن هداه، وأنَّه هو الذي يحرك القلوبَ بالإرادات،

  1. (١) سيأتي البيت أيضًا في ص (٣٥١، ٦٥٠)، وهو لابن إسرائيل محمد بن سوَّار الشاعر الصوفي الدمشقي (٦٧٧ هـ). أنشده له شيخ الاسلام في مجموع الفتاوى (٨/ ٢٥٧). وانظر أيضًا (١١/ ٢٤٥)، ومنهاج السنة (٣/ ٢٥)، والمدارج (١/ ٢٣١، ٢٦٢، ٣٠٥) و(٢: ٢٣٣)، وشفاء العليل (١٩، ٤٠).
  2. (٢) "ط": "إذ"، خطأ.
  3. (٣) سيذكر المصنف هذا القول مرة أخرى في (١٨٢، ٣٥٠، ٦٥٠). وانظر شفاء العليل: (٤٠). ونسبه شيخ الإسلام في الفتاوى (٨/ ٢٥٧) إلى بعض أصحاب علي بن حسين الحريري (٦٤٥ هـ).
  4. (٤) "ك": "عن".
55

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي