طريق الهجرتين

والجوارحَ بالأعمال، وأنَّها مدبَّرةٌ تحت تسخيره مذلّلةٌ تحت قهره، وأنَّها أعجز وأضعفُ١ أن تتحرك بدون مشيئته، وأنَّ مشيئتَه نافذةٌ فيها كما هي نافذة في حركات الأفلاك والمياه والأشجار، وأنَّه حرَّك كلًّا منها بسبب اقتضى تحريكه، وهو خالق السبب المقتضي، وخالقُ السبب خالقٌ للمسبَّب، فخالقُ الإرادة الحادثةِ٢ التي هي سببُ الحركة والفعل الاختياري خالقٌ لهما، وحدوثُ الإرادة بلا خالقٍ مُحدِثِ محالٌ، وحدوثُها بالعبد بلا إرادة منه مُحالٌ، وإنْ كان بإرادة فإرادتُه للإرادة كذلك، ويستحيل هنا٣ التسلسل، فلا بُدَّ من فاعلٍ أوجدَ تلك الإرادة التي هي سبب الفعل. وهنا٤ يتحفق الفقرُ والفاقةُ والضرورةُ التامة إلى مالك الإرادات وربِّ القلوب ومصرِّفها كيف شاء، فما شاء أن يزيغه منها أزاغه، وما شاء أن يقيمه منها أقامه ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ٨﴾ [آل عمران/ ٨].

فهذا هو الفقرُ الصحيح المطابق للعقلِ والفطرة والشرع، ومن خرج عنه وانحرف إلى أحد الطرفين زاغ قلبه عن الهدى، وعطَّل مُلْكَ الملِك الحقِّ وانفراده بالتصرف والربوبية عن أوامره وشرعه وثوابه وعقابه.

وحُكْمُ هذا الفقيرِ المضطرِّ إلى خالقه في كلِّ طرفة عين وكلِّ نفس أنّه إن حُرِّك بطاعةٍ أو نعمةٍ شكرها وقال: هذا من فضل اللَّه ومنِّه وجوده، فله

  1. (١) "ط": "أضعف من أن".
  2. (٢) "ك، ط": "الجازمة"، تحريف.
  3. (٣) كذا في الأصل و"ن". وفي "ف" وغيرها: "بها".
  4. (٤) كذا في الأصل وغيره. وفي "ط": "فهنا"، وهو مقتضى سياق الكلام الذي طال، فسياقه: "فمتى اجتمع له هذا الشهود. . . فهنا يتحقق الفقر".
56

الحمد، وإن حُرِّك بمبادئ معصيته صرخ، ولجأ١، واستغاث، وقال: "أعوذُ بك منك"٢، "يا مقلّب القلوب ثَبِّت قلبي على دينك"٣، "يا مصرِّف القلوب صرِّف قلبي على طاعتك"٤.

فإن تمَّ تحريكه بالمعصية التجأ التجاءَ أسير قد أسره عدوُّه، وهو يعلم أنَّه لا خلاص له من أسره إلا بأن يفتكّه سيّدُه من الأسر، ففكاكه في يد سيِّده، ليس في يده منه شيء البتة، ولا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا؛ فهو في أسْر العدوِّ ناظرٌ إلى سيده، وهو قادر على تخليصه٥؛ قد اشتدَّت ضرورته إليه، وصار اعتمادُه كلُّه عليه. قال سهل٦: "إنَّما يكون الالتجاء على معرفة قدر٧ الابتلاء". يعني٨: وعلى قدر معرفة٩ الابتلاء تكون المعرفة بالمبتلي.

ومن عرف معنى١٠ قوله١١ ﷺ: "وأعوذ بك منك"١٢، وقام

  1. (١) في "ك" فوق السطر: "إلى اللَّه".
  2. (٢) من حديث عائشة ﵂. أخرجه مسلم في كتاب الصلاة (٤٨٦).
  3. (٣) تقدم في ص (١٧).
  4. (٤) من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄. أخرجه مسلم في القدر (٢٦٥٤).
  5. (٥) "على تخليصه" ساقط من "ك، ط".
  6. (٦) هو سهل بن عبد اللَّه التستري (٢٨٣ هـ) من كبار الزهاد. طبقات الصوفية: (٢٠٦)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣٠).
  7. (٧) "قدر" ساقط من "ط".
  8. (٨) "ك": "حتى"، تحريف.
  9. (٩) "معرفة" ساقط من "ك، ط".
  10. (١٠) "معنى" ساقط من "ط".
  11. (١١) "ف": "قول النبي"، خلاف الأصل.
  12. (١٢) مرَّ آنفًا.
57

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي