طريق الهجرتين

الحمد، وإن حُرِّك بمبادئ معصيته صرخ، ولجأ١، واستغاث، وقال: "أعوذُ بك منك"٢، "يا مقلّب القلوب ثَبِّت قلبي على دينك"٣، "يا مصرِّف القلوب صرِّف قلبي على طاعتك"٤.

فإن تمَّ تحريكه بالمعصية التجأ التجاءَ أسير قد أسره عدوُّه، وهو يعلم أنَّه لا خلاص له من أسره إلا بأن يفتكّه سيّدُه من الأسر، ففكاكه في يد سيِّده، ليس في يده منه شيء البتة، ولا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا؛ فهو في أسْر العدوِّ ناظرٌ إلى سيده، وهو قادر على تخليصه٥؛ قد اشتدَّت ضرورته إليه، وصار اعتمادُه كلُّه عليه. قال سهل٦: "إنَّما يكون الالتجاء على معرفة قدر٧ الابتلاء". يعني٨: وعلى قدر معرفة٩ الابتلاء تكون المعرفة بالمبتلي.

ومن عرف معنى١٠ قوله١١ ﷺ: "وأعوذ بك منك"١٢، وقام

  1. (١) في "ك" فوق السطر: "إلى اللَّه".
  2. (٢) من حديث عائشة ﵂. أخرجه مسلم في كتاب الصلاة (٤٨٦).
  3. (٣) تقدم في ص (١٧).
  4. (٤) من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄. أخرجه مسلم في القدر (٢٦٥٤).
  5. (٥) "على تخليصه" ساقط من "ك، ط".
  6. (٦) هو سهل بن عبد اللَّه التستري (٢٨٣ هـ) من كبار الزهاد. طبقات الصوفية: (٢٠٦)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣٠).
  7. (٧) "قدر" ساقط من "ط".
  8. (٨) "ك": "حتى"، تحريف.
  9. (٩) "معرفة" ساقط من "ك، ط".
  10. (١٠) "معنى" ساقط من "ط".
  11. (١١) "ف": "قول النبي"، خلاف الأصل.
  12. (١٢) مرَّ آنفًا.
57

بهذه المعرفة شهودًا وذوقًا، وأعطاها حقَّها من العبودية، فهو الفقيرُ حقًّا. ومدار الفقر الصحيح على هذه الكلمة، فمن رُزِقَ فهمَها١ فهِمَ سرَّ الفقر المحمدي. فهو سبحانه الذي ينجي من قضائه بقضائه، وهو الذي يعيذ من نفسه٢ بنفسه، وهو الذي يدفع ما منه بما منه. فالأمرُ كلّه له، والحكم كلّه له، والخلق كلّه له٣. وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وما شاء لم يستطع أن يصرفه إلا مشيئتُه، وما لم يشأ لم يكن أن يجلبه إلا مشيئتُه. فلا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، ولا يهدي لأحسن الأعمال والأخلاق إلا هو، ولا يصرف سيئها إلا هو. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس/ ١٠٧].

والتحقُّق٤ بمعرفة هذا يوجب صحةَ الاضطرار وكمالَ الفقر والفاقة، ويحول بين العبد وبين رؤية أعماله وأحواله، والاستغناء بها، والخروج عن رِبقة٥ العبودية إلى دعوى ما ليس له. وكيف يدَّعي مع اللَّه حالًا أو ملكةً أو مقامًا مَن قلبُه وإراداتُه٦ وحركاتُه الظاهرةُ والباطنةُ بيد ربِّه ومليكه، لا يملك هو منها شيئًا، وإنَّما هي بيد مقلب القلوب ومصرِّفها كيف شاء٧، فالإيمانُ بهذا والتحقق به نظام التوحيد،

  1. (١) "ك": "فمن فهم سرّها". "ط": " .. سر هذا".
  2. (٢) "ك، ط": "يعيذ بنفسه من نفسه".
  3. (٣) وقعت هذه الجملة في "ك، ط" قبل "والأمر كله له".
  4. (٤) "ن": "التحقيق"، خطأ.
  5. (٥) "ط": "رفقة"، تحريف.
  6. (٦) "ك، ط": "وإرادته".
  7. (٧) "ك، ط": "يشاء".
58

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي