طريق الهجرتين

فمتى١ انحلَّ من القلب انحلَّ نظامُ التوحيد. فسبحان من لا يوصَل إليه إلا به، ولا يطاع إلا بمشيئته، ولا يُنال ما عنده من كرامته٢ إلا بطاعته، ولا سبيل إلى طاعته إلا بتوفيقه ومعونته. فعاد الأمرُ كلُّه إليه، كما ابتدأ الأمرُ كلّه منه، فهو الأوَّل والآخر، وإنَّ إلى ربك المنتهى.

ومن وصل إلى هذا الحال وقع في يد التقطع والتجريد، وأشرف على مقام التوحيد الخاصِّي. فإنَّ التوحيد نوعان: عامِّي وخاصِّي، كما أن الصلاة نوعان، والذكر نوعان، وسائر القُرَب كذلك خاصِّيَّة وعامِّية. فالخاصِّيَّة ما بذل فيها العاملُ نصحَه وقصدَه بحيث يوقعها على أحسن الوجوه وأكملها، والعامية ما لم يكن كذلك. فالمسلمون كلهم مشتركون في إتيانهم بشهادة أن لا إله إلا اللَّه، وتفاوتُهم في معرفتهم بمضمون هذه الشهادة وقيامهم بحقِّها٣ باطنًا وظاهرًا أمرٌ لا يحصيه إلا اللَّه ﷿.

وقد ظنَّ كثيرٌ من الصوفية أنَّ التوحيد الخاص٤ أن يشهد العبدُ المحرِّكَ له، ويغيبَ عن المتحرك وعن الحركة، فيغيبَ بشاهده٥ عن حركته، فيشهدَ٦ نفسَه شبحًا فانيًا تجري عليه٧ تصاريف المشيئة، كمن غرق في البحر فأمواجه ترفعُه طورًا وتخفضه طورًا، فهو غائب بها

  1. (١) "ك، ط": "ومتى".
  2. (٢) "ك، ط": "الكرامة".
  3. (٣) "بحقها": ساقط من "ط".
  4. (٤) "ط": "الخاصي".
  5. (٥) "ط": "بشهوده".
  6. (٦) "ط": "ويشهد".
  7. (٧) "ك، ط": "يجري على".
59

عن ملاحظة حركته في نفسه، بل قد اندرجت حركته في ضمن حركة الموج، فكأنَّه١ لا حركة له بالحقيقة.

وهذا، وإن ظنَّه كثيرٌ من القوم غايةً، وظنَّه بعضهم لازمًا من لوازم التوحيد، فالصواب أنَّ وراءَه٢ ما هو أجل منه. وغاية هذا الفناءُ في توحيد الربوبية، وهو٣ أن لا يشهد ربًّا وخالقًا ومدبِّرًا إلا اللَّه، وهذا حق٤، ولكن توحيد الربوبية وحده لا يكفي فى النجاة فضلًا عن أن يكون شهودُه والفناءُ فيه هو غاية الموحدين ونهاية مطلبهم.

بل الغاية٥ التي لا غايةَ وراءها ولا نهاية بعدها الفناءُ في توحيد الإلاهية. وهو أن يفنى بمحبة ربه عن محبة كل ما سواه، وبتألهه عن تأله ما سواه، وبالشوق إليه وإلى لقائه عن الشوق إلى ما سواه، وبالذلِّ له والفقر إليه من جهة كونه معبودَه وإلهَه ومحبوبَه عن الذل والفقر٦ إلى كلِّ ما سواه، وكذلك يفنى بخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه. فيرى أنَّه ليس في الوجود ما يصلح له ذلك إلا اللَّه، ثمَّ يتصف بذلك حالًا٧، وينصبغ به قلبه صبغة، ثمَّ يفنى بذلك عمَّا سواه. فهذا هو التوحيد الخاصّ٨ الذي شمَّر إليه العارفون، والورد الصافي الذي حام

  1. (١) "ك، ط": "وكأنَّه".
  2. (٢) "ط": "من ورائه".
  3. (٣) "ك": "وهي".
  4. (٤) "ك، ط": "هو الحق".
  5. (٥) "ط": "فالغاية".
  6. (٦) "الفقر" ساقط من "ك، ط"، ومستدرك في حاشية "ك".
  7. (٧) "ك": "تتصف بذلك حاله".
  8. (٨) "ط": "الخاصي".
60

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي