طريق الهجرتين

القلب سلامته من السبب، ومسالمته للحكم، وخلاصه من الخصومة". ومعلومٌ أنَّ هذا شرط في الغنى، لا أنَّهُ نفس الغنى؛ بل وجود المنازعة والمخاصمة وعدم المسالمة مانع من الغنى. فهذه السلامة والمسالمة دليل على غنى القلب، لا أنَّ غناه بها نفسِها، وإنَّما غنى القلب بالدرجة الثالثة فقط، كما سيأتي بيانه١. فإنَّ الغنيَّ٢ إنَّما يصير غنيًّا بحصول مايسدُّ فاقته ويدفع حاجته. وفي القلبِ فاقة عظيمة وضرورة تامة وحاجة شديدة لا يسدُّها إلا فوزُه بحصول الغني الحميد الذي إن حصل للعبد حصل له كلُّ شيء، وإن فاته فاته كلُّ شيء. فكما أنَّه سبحانه الغنيُّ على الحقيقة ولا غنيَّ سواه، فالغنى به هو الغنى في الحقيقة ولا غِنى بغيره ألبتة. فمن لم يستغن به عمَّا سواه تقطَّعت نفسه على السوى حسراتٍ، ومن استغنى به زالت عنه كل حسرة، وحضره كلُّ سرور وفرح، واللَّه المستعان.

وإنَّما قدَّم الشيخُ٣ الكلامَ على "غنى القلب" على الكلام على "غنى النفس"؛ لأنَّ٤ كمال صلاح النفس، وغناها٥ بالاستقامة من جميع الوجوه، وبلوغها إلى درجة الطمأنينة لا يكون إلا بعد صلاح القلب؛ وإصلاحُ٦ النفس متقدمٌ على إصلاح القلب٧. هكذا قيل! وفيه ما

  1. (١) بعده في "ك، ط": "إن شاء اللَّه".
  2. (٢) "ط": "فالغنى".
  3. (٣) "ك، ط": "شيخ الإسلام".
  4. (٤) "ف": "أنَّ" أخطأ في القراءة.
  5. (٥) "ط": "النفس غناها".
  6. (٦) "ك، ط": "صلاح".
  7. (٧) "ط": "إصلاحه". "ك": "صلاح القلب".
68

فيه، لأنَّ صلاحَ كلٍّ منهما مقارنٌ لصلاح الآخر، ولكن لمَّا كان القلب هو الملِك وكان صلاحه صلاحَ جميع رعيته كان أولى بالتقديم.

وقد قال النبي ﷺ: "إنَّ في الجسدِ مضغةً إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب"١.

والقلبُ٢ إذا استغنى بما فاض عليه من مواهب ربِّه وعطاياه السنية خلَعَ على الأمراءِ والرعية خِلَعًا تناسبها: فخلعَ على النفس خِلَع الطمأنينة والسكينة والرضا والإخبات، فأدَّت الحقوق سماحةً لا كظمًا بل٣ بانشراح ورضًا ومبادرة. وذلك لأنَّها جانست القلب حينئذٍ، ووافقته في أكثر أموره، واتحد مرادهما غالبًا، فصارت له وزير صدق، بعد أن كانت عدوًّا مبارزًا بالعداوة. فلا تسأل عمَّا أحدثت هذه المؤازرة والموافقة من طمأنينة ولذَّة عيش ونعيم هو رقيقة٤ من نعيم أهل الجنَّة! هذا، ولم تضع الحرب أوزارها فيما بينهما، بل عُدّتها وسلاحها كامنٌ متوارٍ، لولا قوْةُ٥ سلطان القلب وقهرُه لحاربت بكلِّ سلاح؛ فالمرابطة

  1. (١) من حديث النعمان بن بشير ﵁. أخرجه البخاري في الإيمان (٥٢)، ومسلم في المساقاة (١٥٩٩).
  2. (٢) "ك": "فالقلب".
  3. (٣) "بل" ساقطة من "ك، ط".
  4. (٤) أراد أنَّه جزء يسير جدًّا من نعيم أهل الجنَّة. وقد استعمل المؤلف هذا التعبير في مدارج السالكين أيضًا فقال: "وذلك رقيقة من حال أهل الجنَّة في الجنَّة" (٢/ ٤٦٤). وقال: "وهذا رقيقة من حال أهل الجنَّة" (٣/ ١٥٦)، وقرن بها كلمة "لطيفة" في (٣/ ٢٩٤) قال: "فإنَّ نعيم المحبة في الدنيا رقيقة ولطيفة من نعيم الجنة في الآخرة". فالرقيقة هنا اسم. وقد ضبطت في "ك" بضم أولها وفتح ثانيها، وفوقها علامة "صح"، وفي "ط": "دقيقة". والصوابُ ما أثبتنا.
  5. (٥) "ط": "قدرة".
69

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي