طريق الهجرتين

على ثغري الظاهر والباطن فرضٌ معيَّن١ مدَّة أنفاس الحياة:

وتنقضي الحربُ، محمودٌ عواقبُهاللصابرين، وحظُّ الهاربِ الندمُ٢

وخَلَعَ على الجوارح خِلَع الخشوع والوقار، وعلى الوجه خلعةَ٣ المهابة والنور والبهاء، وعلى اللسان خلعةَ الصدق والقول السديد الثابت والحكمة النافعة، وعلى العين خلعة الاعتبار في النظر والغضّ عن المحارم، وعلى الأذن خلعة استماع النصيحة واستماع القول النافع استماعُه للعبد في معاشه ومعاده، وعلى اليدين والرجلين خلعة البطش في الطاعات أين كانت بقوَّة وأيدٍ، وعلى الفرج خلعةَ العفَّة والحفظ؛ فغدا العبدُ وراح يرفُلُ في هذه الخِلَع، ويجرُّ لها في النَّاس أذيالًا وأردانًا٤.

فغنى النفس مشتقٌ من غنى القلب وفرعٌ عليه، فإذا استغنى سرى الغنى منه إلى النفس. وغنى القلب بما٥ يناسبه من تحقّقه٦ بالعبودية المحضة التي هي أعظم خلعة تُخلع عليه، فيستغني حينئذٍ بما توجبه هذه العبودية له من المعرفة الخاصة والمحبة الناصحة الخالصة، وبما يحصل

  1. (١) "ك، ط": "متعين".
  2. (٢) "ن، ك، ط": "محمودًا". ولم أجد البيت.
  3. (٣) "ف": "خلع" خلافًا للأصل.
  4. (٤) من قول ابن إسرائيل الدمشقي:
    فواحد فى رياض الأنس منبسط ... يجرّ للتّيه أذيالًا وأردانا
    انظر: ذيل مرآة الزمان (٣/ ٤٢٨).
  5. (٥) "ط": "ما".
  6. (٦) "ط": "تحقيقه".
70

له من آثار الصفات المقدسة و[ما]١ تقتضيه من الأحكام والعبوديات المتعلقة بكل صفةٍ صفةٍ٢ على الانفراد ومجموعها قائمةً بالذَّات. وهذا أمرٌ تضيق عن شرحه عدَّةُ أسفار، بل حظُّ العبد منه علمًا وإرادة كما يُدخل إصبعه في اليم، بل الأمر أعظم من ذلك، واللَّه ﷿ ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد/ ١٧].

فإذا استغنى القلبُ بهذا الغنى الذي هو غاية فقره استغنت النفسُ غنًى يناسبها، وذهبت عنها البرودة التي توجبُ ثقلَها وكسلَها وإخلادَها إلى الأرضِ، وصارت [لها]٣ حرارةٌ توجِبُ حركتَها وخفّتَها في الأوامر وطلبَها الرفيق الأَعلى، وصارت برودتُها في شهواتها وحظوظها ورعوناتها. وذهبت أيضًا عنها٤ اليبوسةُ المضادَّةُ للينها وسرعةِ انفعالها وقبولها؛ فإنَّها إذا كانت يابسةً قاسيةً كانت بطيئة الانفعال، بعيدة القبول، لا تكاد تنقاد. فإذا صارت برودتها حرارةً، ويبوستها رطوبةً٥ وسُقيَت بماءِ الحياة الذي أنزله اللَّه على قلوب أنبيائه، وجعلها قرارًا ومعينًا له، ففاض منها على قلوب أتباعهم، فأنبتت من كلِّ زوجٍ كريم = فحينئذ انقادت بزمام المحبة إلى مولاها الحق مؤديةً لحقوقه، قائمةً بأوامره، راضيةً عنه، مرضيةً له بكمال طمأنينتها ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨﴾ [الفجر/ ٢٧ - ٢٨].

  1. (١) ما بين الحاصرتين من "ط".
  2. (٢) "ك، ط": "بكل صفة على".
  3. (٣) ما بين الحاصرتين زيادة من "ك، ط". وفي الأصل و"ف" علامة "ظ" أي انظر.
  4. (٤) "ك، ط": "عنها أيضًا".
  5. (٥) "ط": "يبوستها حرارة، وبرودتها رطوبة"، وهو خطأ.
71

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي