طريق الهجرتين

لذتُها وراحتُها ونعيمُها وسرورُها في القيام بعبوديته، كما كان النبي ﷺ يقول١: "يا بلالُ أرحْنا بالصلاة"٢، وقال ﷺ: "حُبِّبَ إليَّ من دنياكم النِّساءُ والطِّيبُ، وجُعِلَت قُرَّةُ عَيْني في الصلاةِ"٣.

وقُرَّة العين٤ فوق المحبة، فجعل النساءَ والطِّيب مما يحبه، وأخبر أنَّ قرَّة العين التي يطمئن القلب بالوصول إليها، وتحضره٥ لذتُه وفرحُه٦ وسرورُه وبهجتُه = إنَّما هو٧ في الصلاة التي هي صلةٌ باللَّه وحضورٌ بين يديه، ومناجاةٌ له واقترابٌ منه، فكيف لا تكون قرَّةَ العين، وكيف تقَرُّ عينُ المحبِّ بسواها؟ فإذا حصل للنفس هذا الحظُّ الجليلُ فأيَّ فقرٍ تَخشَى معه، وأيُّ غنًى فاتها حتَّى تلتفتَ إليه؟

ولا يحصل لها هذا حتَّى ينقلبَ طبعُها، ويصير مجانسًا٨ لطبيعة

  1. (١) "ك": "كما قال النَّبيّ ﷺ".
  2. (٢) أخرجه أحمد (٢٣٠٨٨، ٢٣١٥٤)، وأبو داود (٤٩٨٥)، والطبراني في الكبير (٦٢١٤) وغيرهم. والحديث وقع خلاف في وصله وإرساله، وأشار الدارقطني والخطيب إلى أنَّ إرساله أصح. انظر: علل الدارقطني (٤/ ١٢٠ - ١٢٢)، وتاريخ بغداد (١٠/ ٤٤٣). (ز).
  3. (٣) أخرجه أحمد (١٢٢٩٣، ١٢٢٩٤، ١٣٠٥٧). والنسائي (٣٩٤٠) وابن أبي عاصم في الزهد (٢٣٥). والحديث اختلف في وصله وإرساله. فصححه موصولًا الحاكم، وقوَّاه الذهبي، وجوّده العراقي، وحسَّنه ابن حجر. ورجح الدارقطني المرسل، فقال: "والمرسل أشبه بالصواب". انظر الأحاديث المختارة للضياء المقدسي (٥/ ١١٣) (ز).
  4. (٤) "ك، ط": "فقرّة".
  5. (٥) "ط": "ومحض لذته"، تحريف.
  6. (٦) "ف": "فرحته"، خلاف الأصل.
  7. (٧) كذا "هو" في الأصل وغيره. والضمير راجع إلى "قرّة العين".
  8. (٨) "ك": "مجانبًا"، تحريف.
81

القلب؛ فتصير بذلك مطمئنةً بعد أن كانت لوَّامة. وإنَّما تصير مطمئنة بعد تبدُّل صفاتها، وانقلاب طبعها، لاستغناء القلب بما وصل إليه من نور الحقِّ ﷻ، فجرى أثرُ ذلك النور في سمعه وبصرِه، وشعرِه وبَشرِه، وعَظْمِه ولَحْمِه،١ وسائرِ مفاصله؛ وأحاطَ بجهاته من فوقه وتحته، ويمينه ويساره، وخلفه وأمامه؛ وصارت ذاتُه نورًا فصارَ٢ عملُه نورًا، وقولُه نورًا، ومدخلُه نورًا، ومخرجُه نورًا؛ وكان في مبعثه ممن أُتِمَّ٣ له نورُه، فقطَع به الجسر.

وإذا وصلت النفسُ إلى هذه الحال استغنت بها عن التطاول إلى الشهوات التي توجب اقتحام الحدود المسخوطة، والتقاعدَ عن الأمور المطلوبة المرغوبة، فإنَّ فقرَها إلى الشهوات هو الموجِبُ لها التقاعدَ عن المرغوب المطلوب؛ وأيضًا فتقاعدُها عن المطلوب منها٤ موجِبٌ لفقرها إلى الشهوات، فكلٌّ منهما موجب للآخر. وتركُ الأوامر أقوى لها في٥ افتقارها إلى الشهوات، فإنَّهُ بحسب قيام العبد بالأمر تُدفَع٦ عنه جيوشُ الشهوة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت/ ٤٥].

وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾٧ [الحج/ ٣٨]، وفي

  1. (١) "ك، ط": "لحمه ودمه".
  2. (٢) "ك، ط": "وصار".
  3. (٣) "ط": "انبهر"، تحريف شنيع.
  4. (٤) "ط": "بينهما"، تحريف.
  5. (٥) "ط": "من"، تحريف.
  6. (٦) "ك": "يدفع".
  7. (٧) كذا وردت الآية في الأصل وغيره بلفظ "يدفع" على قراءة ابن كثير وأبي =
82

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي