وإنَّما كان أفضلَ عندهم٢ ممَّا قبله لأن الشهود الذي قبله فيه شائبةٌ مشيرةٌ إلى وجود العبد. وهذا الشهود الثاني ساترٌ للموجودات٣ كلِّها سوى الأوَّل تعالى، قد اضمخَلتْ، وفنيتْ فيه، وصارتْ كأوليتها، وهو٤ العدم. فأفنتها أوَّليةُ الحق ﵎، فبقي العبد محوًا صرفًا وعدمًا محضًا، وإن كانت إنّيَّتُه متشخصةً٥ مشارًا٦ إليها، لكنَّها لما نُسِبتْ إلى أوَّلية الحق ﷿ اضمحلَّتْ وفنيتْ، وبقي الواحد الحقّ الذي لم يزل باقيًا. فاضمحلَّ ما دون الحق تعالى في شهود العبد، كما هو مضمحلّ في نفسه. وشهِد العبدُ حينئذٍ أنَّ كل شيء سوى اللَّه٧ باطل، وأنَّ الحقَّ المبين هو اللَّه وحده. ولا ريب أنَّ الغنى بهذا الشهود أتمُّ من الغنى بالذي قبله.
وليس هذا مختصًّا بشهود أوَّليته تعالى فقط، بل جميع ما يبدو للقلوب من صفات الربّ ﷻ يستغني العبدُ بها بقدر حظه وقسمه من معرفتها وقيامه بعبوديّتها.
فمَن شهد مشهدَ علوِّ اللَّه على خلقه وفوقيّته لعباده واستوائه على عرشه، كما أخبر به أعرَفُ الخلق وأعلَمُهم به الصادقُ المصدوقُ، وتعبَّد
(١) في الأصل وغيره: "بها"، وهو أيضًا سهو. وفي حاشيتي الأصل و"ف" علامة "ظ".
(٢) "ط": "كان هذا عندهم أفضل".
(٣) "ط": "سائر الموجودات" تحريف.
(٤) "ف": "هي" خلاف الأصل.
(٥) "ط": "مشخصة".
(٦) "ك": "ومشارم إليها".
(٧) "ك، ط": "ما سواه".
بمقتضى هذه الصفة، بحيث يصيرُ لقلبه صَمَدٌ يعرج القلبُ إليه مناجيًا له مطرقًا واقفًا بين يديه وقوفَ العبد الذليل بين يدي الملك العزيز، فيشعر بأنَّ كلِمَه وعملَه صاعدٌ إليه معروضٌ عليه بين خاصَّته١ وأوليائه، فيستحيي أن يصعد إليه مِن كلمه وعمله٢ ما يُخزيه ويفضحه هناك؛ ويشهدُ نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم كلَّ وقت بأنواع التدبير والتصرف من الإماتة والإحياء، والتولية والعزل، والخفض والرفع، والعطاء والمنع، وكشف البلاءِ وإرساله، وتقليب٣ الدول ومداولة الأيام بين النَّاس إلى غير ذلك من التصرّف٤ في المملكة التي لا يتصرّف فيها سواه، فمراسيمُه٥ نافذةٌ فيها كما يشاء ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ٥﴾[السجدة/ ٥] = فمن أعطى هذا المشهد حقَّه معرفةً وعبوديةً استغنى به.
وكذلك من شهِد مشهدَ العلم المحيط الذي لا يعزُب عنه مثقال ذرَّةٍ في الأرض ولا في السماوات ولا في قرار البحار ولا تحت أطباق الجبال؛ بل أحاط بذلك كلّه٦ علمًا تفصيليًّا، ثمَّ تعبَّد بمقتضى هذا الشهود من حراسة خواطره، وإراداته٧، وعزماته، وجوارحه علمًا