ويستحيل أن يكون معه إله آخر، فإنَّ الإله على الحقيقة هو الغنيّ الصمَد الكامل في أسمائه وصفاته، الذي حاجةُ كل أحدٍ إليه، ولا حاجة به إلى أحد؛ وقيامُ كلِّ شيءٍ به، وليس قيامُه بغيره. ومن المحال أن يحصل في الوجود اثنان كذلك، ولو كان في الوجود إلهان لفسد نظامه أعظمَ فساد واختلّ أعظمَ اختلال، كما يستحيل أن يكون له فاعلان متساويان كل منهما مستقل بالفعل، فإنَّ استقلالَهما ينافي استقلالَهما، واستقلالَ أحدهما يمنع ربوبّيةَ الآخر، فتوحيد الربوبيّة أعظم دليل على توحيد الإلهية.
ولذلك١ وقع الاحتجاج به في القرآن أكثر مما وقع بغيره، لصحّة دلالته وظهورها، وقبول العقول والفطَر لها، ولاعتراف أهل الأرض بتوحيد الربوبيّة. ولذلك٢ كان عُبّادُ الأصنام يُقِرون به، وينكرون توحيد الإلهية، ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾[ص/ ٥] مع اعترافهم بأنّ اللَّه وحده هو الخالق لهم وللسماوات والأرض وما بينهما، وأنّه المتفرّد٣ بملك ذلك كله. فأرسل اللَّه تعالى الرسلَ تذكِّرهم٤ بما في فطَرهم الإقرارُ به من توحيده وحده لا شريك له، وأنَّهم لو رجعوا إلى فِطَرهم وعقولهم لدلَّتهم على امتناع إليما آخر معه واستحالته وبطلانه.
فمشهد الألوهية هو مشهد الحنفاءِ، وهو مشهد جامع للأسماء والصفات، وحظُّ العباد منه بحسب حظّهم من معرفة الأسماء
(١) "ك": "كذلك"، خطأ.
(٢) "ك، ط": "وكذلك".
(٣) "ط": "المنفرد"، والأصل غير منقوط.
(٤) "ك، ط": "فأرسل اللَّه تعالى يذكر بما".
والصفات. ولذلك كان أكملُ الخلق فيه أعرفَهم باللَّه وأسمائه وصفاته١، ولذلك٢ كان الاسم الدَّالّ على هذا المعنى هو اسم اللَّه ﷻ، فإنَّ هذا الاسم هو الجامع، ولهذا تضاف الأسماء الحسنى كلُّها إليه، فيقال: الرحمن الرحيم العزيز الغفار القهار من أسماء اللَّه، ولا يقال: "اللَّه" من أسماء الرحمن. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾[الأعراف/ ١٨٥].
فهذا المشهد تجتمع فيه المشاهدُ كلّها، وكلُّ مشهد سواه فإنَّما هو مشهدٌ لصفة من صفاته. فمن اتسع قلبه لمشهد الإلهيَّة، وقام بحقّه من التعبَّد الذي هو كمالُ الحبّ بكمالِ الذلّ والتعظيم والقيام بوظائف العبودية، فقد تمَّ له غناه بالإله الحقّ، وصار من أغنى العباد. ولسانُ حالِ مثلِ هذا يقول:
غنِيتُ بلا مالِ عن النَّاس كلِّهموإنَّ الغنى العالي عن الشيء لا بِهِ٣
فيا لَه من غنًى ما أعظم خطره، وأجلَّ قدره! تضاءَلتْ دونه الممالكُ فما دونها، فصارت بالنسبة إليه كالظلِّ من الحامل له، والطيف الموافي في المنام الذي يأتي به حديثُ النفس، ويطرده الانتباهُ من النوم.
(١) العبارة "ولذلك. . . " إلى هنا ساقطة من "ك، ط".
(٢) "ك": "وكذلك".
(٣) من قصيدة نسبت في المستطرف (٢/ ٤٣) إلى الإمام الشافعي. ومنه في ديوانه - نشرة إحسان عباس (١٧)، والبيت وحده ورد في المستطرف أيضًا (١/ ١١٠) منسوبًا إلى القهستاني، وله في معجم الأدباء (١٦٨٠). وانظر: مفتاح دار السعادة (١/ ٤١٩)، ومدارج السالكين (٣/ ١٥٢).