طريق الهجرتين

والنفسَ، فما ظنُّك بما تكاشَفُ١ به الأرواحُ من أنوار قدسِ الذَّات المتَّصفة بالجلال والإكرام. فهذا غنًى لا يناله الوصفُ، ولا يدخل تحت الشرح، فيستغني العبد الفقير بوجود سيّده العزيز الرَّحيم.

فيا لكَ من فَقْرٍ تَقَضَّى٢، ومِن غِنَىيدومُ، ومِن عيشٍ ألذَّ من المُنى!٣

فلا تستعجزْ نفسَك عن البلوغ إلى هذا المقام، فبينك وبينه صدقُ الطلب، فإنَّما٤ هي عزمةٌ صادقةٌ، ونهضةُ حُرٍّ لنفسه٥ عنده قدرٌ وقيمةٌ، يغار عليها أن يبيعَها بالدون.

وقد جاءَ في أثرٍ إلهي: "يقول اللَّه ﷿: ابْنَ آدمَ خَلَقْتكَ لنفسي فلا تَلْعَبْ، وَتَكَفلْتُ برزقك فلا تتْعَبْ، ابْنَ آدمَ اطْلُبْني تَجدْني، فَإِنْ وَجَدْتَنِي وَجَدْتَ كُلَّ شيءٍ، وإِنْ فُتُّكَّ فَاتَكَ كلُّ شيءٍ، وأَنَا أَحَبُّ إليكَ مِنْ كُل شيءٍ"٦.

فمن طلَب اللَّه بصدقٍ وجده، ومن وجده أغناه وجودُه عن كلِّ شيءٍ٧.

  1. (١) "ك": "يكشف"، خطأ.
  2. (٢) قرأ ناسخ "ف": "يُقضى"، وكتب في الحاشية: "ينقضي ظ". وفي "ك": "يقضى". وفي "ط": "ينقص"، والصواب ما أثبتنا.
  3. (٣) لم يفطن ناسخ "ف"، فأثبت هذا البيت نثرًا، وكذا في "ك، ط".
  4. (٤) "ك، ط": "وإنَّما".
  5. (٥) "ك، ط": "ممن لنفسه".
  6. (٦) أثر إسرائيلي، كما نصَّ شيخ الإسلام في الفتاوى (٨/ ٥٢)، وقد ذكره المصنف في مدارج السالكين (٢/ ٤٠٠، ٥٠٧)، والداء والدواء (٣٠٥)، وروضة المحبين (٤٣٢). وسيأتي مرة أخرى في ص (٥٢٦).
  7. (٧) "عن كل شيء" ساقط من "ك".
95
فأصبحَ حُرًّا في غنًى ومهابةٍعلى وجهه أنوارهُ وضياؤه
وإن فاتَهُ مولاه ﷻتباعدَ ما يرجو، وطال عناؤه١

ومن وصل إلى هذا الغنى قرَّت به كل عين لأنَّه قد قرَّت عينُه باللَّه والفوز بوجوده، ومن لم يصل إليه تقطعتْ نفسُه على الدنيا حسرات. وقد قال ﷺ: "مَنْ أَصْبَحَ والدُّنْيَا أكبرُ همِّه جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْه، وَشَتَّتَ عَلَيْه شَمْلَهُ، وَلَمْ يأْتِه من الدُّنْيا إلا ما قُدِّرَ له. ومَنْ أَصْبَحَ والآخِرَةُ أَكْبَرُ هَمِّه جَعَلَ اللَّه غِنَاهُ في قَلْبهِ، وَجَمَعَ عليه شَمْلَه، وأَتَتْهُ الدُّنيا وهي رَاغِمَةٌ، وكان اللَّهُ بِكُلِّ خيرٍ إليه أَسْرَعَ"٢.

فهذا هو الفقر الحقيقي والغنى الحقيقي، وإذا كان هذا غنى من كانت الآخرةُ أكبرَ همِّه، فكيف من كان اللَّه ﷿ أكبرَ همِّه، فهذا من باب التنبيه والأَولى.

فصل في ذكر كلمات عن أرباب الطريق في الفقر والغنى

* قال يحيى بن معاذ٣: "الفقر أن لا يستغني بشيء غير اللَّه،

  1. (١) أثبت ناشر "ط" البيتين نثرًا، والبيت الأوَّلى ذكره المصنف في إغاثة اللهفان (٩٣٣)، وفيه: "حرًّا عزَّةً وصيانةً".
  2. (٢) من حديث زيد بن ثابت، أخرجه أحمد (٢١٥٩٠) مطوَّلًا، والترمذي (٢٦٥٦)، وأبو داود (٣٦٦٠) مختصرًا، وابن ماجه (٤١٠٥) مطوَّلًا، وابن حبان (٦٧) مختصرًا. وليس عندهم لفظ "وكان اللَّه بكل خير إليه أسرع"، والحديث حسَّنه الترمذي، وصححه ابن حبان والبوصيري. وقد جاء الحديث عن أنس وأبي هريرة نحوه (ز).
  3. (٣) الرَّازي أبو زكريا، الواعظ، من كبار المشايخ. مات في نيسابور سنة (٢٥٨ هـ). =
96

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي