فأصبحَ حُرًّا في غنًى ومهابةٍعلى وجهه أنوارهُ وضياؤه
وإن فاتَهُ مولاه ﷻتباعدَ ما يرجو، وطال عناؤه١
ومن وصل إلى هذا الغنى قرَّت به كل عين لأنَّه قد قرَّت عينُه باللَّه والفوز بوجوده، ومن لم يصل إليه تقطعتْ نفسُه على الدنيا حسرات. وقد قال ﷺ: "مَنْ أَصْبَحَ والدُّنْيَا أكبرُ همِّه جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْه، وَشَتَّتَ عَلَيْه شَمْلَهُ، وَلَمْ يأْتِه من الدُّنْيا إلا ما قُدِّرَ له. ومَنْ أَصْبَحَ والآخِرَةُ أَكْبَرُ هَمِّه جَعَلَ اللَّه غِنَاهُ في قَلْبهِ، وَجَمَعَ عليه شَمْلَه، وأَتَتْهُ الدُّنيا وهي رَاغِمَةٌ، وكان اللَّهُ بِكُلِّ خيرٍ إليه أَسْرَعَ"٢.
فهذا هو الفقر الحقيقي والغنى الحقيقي، وإذا كان هذا غنى من كانت الآخرةُ أكبرَ همِّه، فكيف من كان اللَّه ﷿ أكبرَ همِّه، فهذا من باب التنبيه والأَولى.
فصل في ذكر كلمات عن أرباب الطريق في الفقر والغنى
* قال يحيى بن معاذ٣: "الفقر أن لا يستغني بشيء غير اللَّه،
(١) أثبت ناشر "ط" البيتين نثرًا، والبيت الأوَّلى ذكره المصنف في إغاثة اللهفان (٩٣٣)، وفيه: "حرًّا عزَّةً وصيانةً".
(٢) من حديث زيد بن ثابت، أخرجه أحمد (٢١٥٩٠) مطوَّلًا، والترمذي (٢٦٥٦)، وأبو داود (٣٦٦٠) مختصرًا، وابن ماجه (٤١٠٥) مطوَّلًا، وابن حبان (٦٧) مختصرًا. وليس عندهم لفظ "وكان اللَّه بكل خير إليه أسرع"، والحديث حسَّنه الترمذي، وصححه ابن حبان والبوصيري. وقد جاء الحديث عن أنس وأبي هريرة نحوه (ز).
(٣) الرَّازي أبو زكريا، الواعظ، من كبار المشايخ. مات في نيسابور سنة (٢٥٨ هـ). =
ورسمُه عدمُ الأسباب كلها"١.
قلتُ: يريد عدَمَها في الاعتماد عليها والطمأنينة بها، بل تصير عدمًا بالنسبة إلى سبق مسبِّبها بالأوَّلية، وتفرده بالأزلية.
* وسُئِلَ محمد بن عبد اللَّه الفرغاني٢ عن الافتقار إلى اللَّه تعالى والاستغناء به أيهما أكمل٣؟ فقال: "إذا صحَّ الافتقار إلى اللَّه تعالى صحَّ الاستغناء به، واذا صحَّ الاستغناءُ به صحَّ الافتقار إليه، فلا يقال أيهما أكملُ لأنَّه لا يتمّ أحدهما إلا بالآخر"٤.
قلتُ: الاستغناء باللَّه هو عين الفقر إليه، وهما عبارتان عن معنى واحد؛ لأنَّ كمالَ الغنى به هو كمالُ عبوديته، وحقيقةُ العبوديةِ كمالُ الافتقار إليه من كلِّ وجه، وهذا الافتقار هو عين الغنى به. فليس هنا شيئان يُطلَب تفضيلُ أحدهما على الآخر، وإنَّما يُتوهَّم كونُهما شيئين بحسب المستغنى عنه والمفتقَر إليه. فهي حقيقة واحدة ومقام واحد يُسمَّى "غنًى" بالنسبة إلى فراغه عن الموجودات الفانية، و"فقرًا" بالنسبة إلى قَصْر همَّته وجمعها على اللَّه ﷿. فهي همَّة سافرت عن شيء واتصلت بغيره، فسفرها عن الغير "غنى"، وسفرها إلى اللَّه "فقر". فإذا وصلتْ إليه استغنت به لكمال٥ فقرها إليه، إذ يصير لها بعد الوصول