قلتُ: يريد عدَمَها في الاعتماد عليها والطمأنينة بها، بل تصير عدمًا بالنسبة إلى سبق مسبِّبها بالأوَّلية، وتفرده بالأزلية.
* وسُئِلَ محمد بن عبد اللَّه الفرغاني٢ عن الافتقار إلى اللَّه تعالى والاستغناء به أيهما أكمل٣؟ فقال: "إذا صحَّ الافتقار إلى اللَّه تعالى صحَّ الاستغناء به، واذا صحَّ الاستغناءُ به صحَّ الافتقار إليه، فلا يقال أيهما أكملُ لأنَّه لا يتمّ أحدهما إلا بالآخر"٤.
قلتُ: الاستغناء باللَّه هو عين الفقر إليه، وهما عبارتان عن معنى واحد؛ لأنَّ كمالَ الغنى به هو كمالُ عبوديته، وحقيقةُ العبوديةِ كمالُ الافتقار إليه من كلِّ وجه، وهذا الافتقار هو عين الغنى به. فليس هنا شيئان يُطلَب تفضيلُ أحدهما على الآخر، وإنَّما يُتوهَّم كونُهما شيئين بحسب المستغنى عنه والمفتقَر إليه. فهي حقيقة واحدة ومقام واحد يُسمَّى "غنًى" بالنسبة إلى فراغه عن الموجودات الفانية، و"فقرًا" بالنسبة إلى قَصْر همَّته وجمعها على اللَّه ﷿. فهي همَّة سافرت عن شيء واتصلت بغيره، فسفرها عن الغير "غنى"، وسفرها إلى اللَّه "فقر". فإذا وصلتْ إليه استغنت به لكمال٥ فقرها إليه، إذ يصير لها بعد الوصول
فقر آخر غير فقرها الأوَّل، وإنَّما يكمل فقرها بهذا الوصول.
* وسئل رُويم١ عن الفقر فقال: "إرسال النفس في أحكام اللَّه تعالى"٢.
قلت: إن أراد الحكم الديني فصحيح، وإن أراد الحكم الكونيّ القدريّ فلا يصح هذا الإطلاق، بل لا بدّ فيه من التفصيل كما تقدَّم بيانه٣. وإرسالُ النفس في أحكامه التي يسخطها ويبغضها، أو إرسالُها في أحكامه التي يجب منازعتُها ومدافعتُها بأحكامه خروجٌ عن العبودية.
* وقيل: "نعتُ الفقير ثلاثة أشياء: حفظ سرّه، وأداءُ فرضه، وصيانة فقره"٤.
قلتُ: حفظُ السرِّ كتمانُه صيانةً له من الأغيار، وغيرةً عليه أن ينكشف لمن لا يعرفه ولا يؤمَن عليه. وأداء الفرض قيامٌ بحقّ العبودية. وصيانةُ الفقر حفظُه عن لَوث مساكنةِ الأغيار، وحفظُه عن كلِّ سببٍ يفسده، وكتمانه ما استطاع.
* وقال إبراهيم بن أدهم٥: "طلبنا الفقرَ فاستقبلَنا الغنى، وطلب
(١) رُويم بن أحمد بن يزيد البغدادي. من جلَّة المشايخ، كان مقرئًا وفقيهًا على مذهب داود الظاهري، توفي سنة (٣٠٣ هـ). طبقات الصوفية (١٨٠)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٣٤).
(٢) الرسالة القشيرية (٢٧٣).
(٣) انظر ما سلف في ص (٧٤).
(٤) القشيرية (٢٧٣).
(٥) العجلي -وقيل: التميمي- البلخي، نزيل الشام، الزاهد المشهور، توفي سنة (١٦٢ هـ)، طبقات الصوفية (٢٧)، السير (٧/ ٣٨٧).