إليه على جميع الأحوال، وملازمةُ السنّة في جميع الأفعال، وطلبُ القوت من وجه حلال"١.
* وقال بعضهم٢: "ينبغي للفقير أن لا تسبق همتُه خطوتَه".
قلتُ: يشير إلى تعلق همَّته بواجب وقته، وأنَّهُ لا تتخطى همَّته واجبَ الوقت قبل إكماله. وأيضًا يشير إلى قصر أمله، وأنَّ همَّته غيرُ متعلقةٍ بوقتٍ لا يحذث نفسه ببلوغه. وأيضًا يشير إلى جمع الهمَّة على حفظ الوقت، وأن٣ لا يضعفها بتقسيمها على الأوقات.
* وقيل: "أقلُّ ما يلزم الفقير في فقره أربعة أشياء: علم يسوسُه، وورع يحجزُه، ويقين يحمِله، وذكر يؤنسه"٤.
* وقال أبو سهل الخشَّاب لمنصور المغربي٥: "إنَّما هو فقر وذلّ"، فقال منصور: "بل فقر وعز"، فقال أبو سهل: "فقر وثرى"، فقال منصور: "بل فقر وعرش"٦.
قلتُ: أشار أبو سهل إلى البداية، ومنصور إلى الغاية.
* وقال الجنيد: "إذا لقيتَ الفقيرَ فَالْقَه بالرفق ولا تَلْقَه بالعلم، فإنَّ
(١) القشيرية (٢٧٥).
(٢) وهو أبو محمد المرتعش النيسابوري المتوفى ببغداد سنة (٣٢٨ هـ). انظر: القشيرية (٢٧٥) وطبقات الصوفية (٣٤٩).
(٣) "ك، ط": "ولا".
(٤) القشيرية: (٢٧٦).
(٥) منصور بن خلف المغربي من شيوخ أبي القاسم القشيري.
(٦) القشيرية (٢٧٦).
الرفقَ يؤنسه، والعلم يُوحشه"، فقلتُ١: يا أبا القاسم، كيف يكون فقير يوحشه العلم؟ فقال: "نعم، الفقير إذا كان صادقًا في فقره فطرحتَ عليه العلمَ ذاب كما يذوب الرصاص في النار".
* وقال أبو المظفر القِرْمِيسِيني٢: "الفقير هو الذي لا يكون له إلى اللَّه حاجة". قال أبو القاسم القشيري: "وهذا اللفظ فيه أدنى غموض على من سمعه على وصف الغفلة عن مرمى القوم، وإنَّما أشار قائله إلى سقوط المطالبات، وانتفاء الاختيار٣، والرضى بما يُجريه الحقُّ ﵎"٤.
قلتُ: وبعدُ فهو كلام مستدرَكٌ خطأ، فإنَّ حاجاتِ هذا العبد إلى اللَّه بعدد الأنفاس، إذ حاجاته ليست كحاجات غيره من أصحاب الحظوظ والأقسام، بل حاجات هؤلاء في حاجة هذا العبد كتَفْلَةٍ في بَحْر. فإنَّ حاجتَه إلى اللَّه في كلِّ طرفة عين أن يحفظ عليه حالَه، ويثبّت قلبَه، ويُرقّيَه في مقامات العبودية، ويصرفَ عنه ما يفسدها عليه، ويعرِّفه منازلَ الطريق ومكامنها وآفاتِها٥، ويعرِّفه مواقعَ رضاه ليفعلها ويعزم عليها، ومواقعَ سخطه ليعزم على تركها٦ ويجتنبها. فأي حاجاتٍ أكثر وأعظم
(١) القائل أبو محمد المرتعش. انظر: القشيرية (٢٧٦). وطبقات الصوفية (١٦٠).
(٢) كذا في الأصل وغيره. ولعله سهو، فإنَّه في القشيرية -مصدر المؤلف- وغيره "المظفر" لا "أبو المظفر". وهو من كبار مشايخ الجبل، صحب عبد اللَّه الخراز الرازي المتوفى قبل (٣١٠ هـ) ومن فوقه من المشايخ. طبقات الصوفية (٣٩٦).