طريق الهجرتين

من هذه؟

فالصوابُ أن يقال: الفقيرُ هو الذي حاجاته إلى اللَّه بعدد أنفاسه أو أكثر، فالعبدُ له في كلِّ نفس ولحظة وطرفة عين عدَّةُ حوائج إلى اللَّه لا يشعر بكثيرٍ منها، فأفقر النَّاسِ إلى اللَّه من شعر بهذه الحاجات وطلَبها من معدنها بطريقها. وإن كان لا بُدَّ من إطلاق تلك العبارة -على أنَّ منها كلَّ بدّ! - فيقال: هو الذي لا حاجة له إلى اللَّه تُخالِف مرضاتَه وتحطُّه عن مقام العبودية إلى منزلة الاستغناء. وأمَّا أن يقال: لا حاجة له إلى اللَّه، فشطح قبيح.

وأمَّا حملُ أبي القاسم لكلامه على إسقاط المطالبات وانتفاء الاختيار والرضى بمجاري الأقدار، فإنَّما يحسن في بعض الحالات، وهو في القدَر الذي يجري عليه بغير اختياره ولا يكون مأمورًا بدفعه ومنازعته بقدَرٍ آخر كما تقدم١. وأمَّا إذا كان مأمورًا بدفعه ومنازعته بقدَر هو أحبُّ إلى اللَّه منه، وهو مأمور به أمرَ إيجابٍ أو استحباب، فإسقاطُ المطالبات وانتفاءُ الاختيار فيه والسعي عينُ العجز، واللَّه تعالى يلوم على العجز.

* وقال ابن خفيف٢: "الفقرُ عدمُ الأملاك، والخروجُ عن أحكام الصفات"٣.

  1. (١) انظر: ص (٧٧).
  2. (٢) أبو عبد اللَّه محمد بن خفيف الشيرازي المتوفى سنة (٣٧١ هـ) كان شيخ المشايخ في وقته. طبقات الصوفية (٦٤٢).
  3. (٣) القشيرية (٢٧٧).
103

قلتُ: يريد به١ عدمَ إضافةِ شيءٍ إليه إضافةَ ملك، وأن يخرج عن أحكام صفات نفسه، ويبدلها بأحكام صفات مالكه وسيده. مثاله أن يخرج عن حكم صفة قدرته واختياره التي تُوجِبُ له دعوى الملَكة٢ والتصرف والإضافات، ويبقى بأحكام صفة القدرة الأزلية التي توجبُ له العجز والفقر والفاقة، كما في دعاء الاستخارة: "اللَّهمَّ إنِّي أستخيرك بعلمكَ، وأستقدِرُكَ بقدرتِكَ، وأسألك من فضلك، فإنَّك تعلمُ ولا أعلمُ، وتقدِرُ ولا أقدِرُ٣، وأنت علَّامُ الغيوب"٤، فهذا اتصاف بأحكام الصفات العلى في العبد، وخروج عن أحكام صفات النفس.

* وقال أبو حفص٥: "لا يصح لأحدٍ الفقر حتَّى يكون العطاءُ أحبَّ إليه من الأخذ، وليس السخاءُ أن يعطي الواجدُ المعدِمَ، وإنَّما السخاءُ أن يعطي المعدمُ الواجدَ"٦.

* وقال بعضهم٧: "الفقيرُ: الذي لا يرى لنفسه حاجةً إلى شيءٍ من الأشياءِ سوى ربه ﵎".

  1. (١) "به "ساقط من "ك، ط".
  2. (٢) "ط": "الملك". وفي "ك": "دعوة الملك".
  3. (٣) "ك، ط": "من فضلك العظيم، فإنَّك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم". وكذا في صحيح البخاري.
  4. (٤) من حديث جابر ﵁. أخرجه البخاري في كتاب التهجد (١١٦٢)، وانظر رقم (٧٣٩٠).
  5. (٥) قد سبق له قولان آخران في ص (٩٩، ١٠٠).
  6. (٦) القشيرية (٢٧٧).
  7. (٧) هو محمد المُسُوحي، انظر: المصدر السابق (٢٧٧).
104

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي