قلتُ: يريد به١ عدمَ إضافةِ شيءٍ إليه إضافةَ ملك، وأن يخرج عن أحكام صفات نفسه، ويبدلها بأحكام صفات مالكه وسيده. مثاله أن يخرج عن حكم صفة قدرته واختياره التي تُوجِبُ له دعوى الملَكة٢ والتصرف والإضافات، ويبقى بأحكام صفة القدرة الأزلية التي توجبُ له العجز والفقر والفاقة، كما في دعاء الاستخارة: "اللَّهمَّ إنِّي أستخيرك بعلمكَ، وأستقدِرُكَ بقدرتِكَ، وأسألك من فضلك، فإنَّك تعلمُ ولا أعلمُ، وتقدِرُ ولا أقدِرُ٣، وأنت علَّامُ الغيوب"٤، فهذا اتصاف بأحكام الصفات العلى في العبد، وخروج عن أحكام صفات النفس.
* وقال أبو حفص٥: "لا يصح لأحدٍ الفقر حتَّى يكون العطاءُ أحبَّ إليه من الأخذ، وليس السخاءُ أن يعطي الواجدُ المعدِمَ، وإنَّما السخاءُ أن يعطي المعدمُ الواجدَ"٦.
* وقال بعضهم٧: "الفقيرُ: الذي لا يرى لنفسه حاجةً إلى شيءٍ من الأشياءِ سوى ربه ﵎".
(١) "به "ساقط من "ك، ط".
(٢) "ط": "الملك". وفي "ك": "دعوة الملك".
(٣) "ك، ط": "من فضلك العظيم، فإنَّك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم". وكذا في صحيح البخاري.
(٤) من حديث جابر ﵁. أخرجه البخاري في كتاب التهجد (١١٦٢)، وانظر رقم (٧٣٩٠).
(٥) قد سبق له قولان آخران في ص (٩٩، ١٠٠).
(٦) القشيرية (٢٧٧).
(٧) هو محمد المُسُوحي، انظر: المصدر السابق (٢٧٧).
* وسُئِلَ سهل بن عبد اللَّه١: متى يستريحُ الفقير؟ فقال: "إذا لم ير لنفسه غير الوقت الذي هو فيه".
*وقال أبو بكر بن طاهر٢: "من حكم الفقير أن لا يكون٣ له رغبة، وإنْ كان لا بدَّ فلا تجاوز رغبتُه كفايتَه"٤.
* وسُئِلَ بعضهم٥ عن الفقيرِ الصادق، فقال: "الذي لا يَملِك ولا يُملَك".
*وقال ذو النون٦: "دوام الفقرِ إلى اللَّه تعالى مع التخليط أحبُّ إليَّ من دوام الصفاء مع العُجْبِ"٧.
فصل
فجملة نعت الفقيرِ حقًّا أنَّه المتخلي من الدنيا تظرّفًا٨، والمتجافي عنها تعفّفًا، لا يستغني بها تكثّرًا٩، ولا يستكثر منها تملُّكًا. وإن كان
(١) التستري، انظر: المصدر السابق.
(٢) اسمه عبد اللَّه بن طاهر الأبهري، من أقران الشبلي. وكان من أجلِّ المشايخ بالجبل. توفي نحو (٣٣٠ هـ)، طبقات الصوفية (٣٩١).
(٣) "ف": "تكون"، والأصل غير منقوط. وفي "ك، ط" والقشيرية كما أثبتنا.
(٤) القشيرية (٢٧٨).
(٥) هو أبو بكر المصري كما في القشيرية. وهو محمد بن أحمد بن محمد الكناني المصري الشافعي ابن الحدَّاد، لازم النسائي وتخرَّج به، توفي سنة (٣٤٥ هـ). السير (١٥/ ٤٤٥).