طريق الهجرتين

مالكًا لها بهذا الشرط لم تضرَّه١، بل هو فقيرٌ غناه في فقره، وغني فقرُه في غناه.

ومن نعته أيضًا أن يكون فقيرًا من حاله، وهو خروجه عن الحال تبرِّيًا، وتركُ الالتفات إليه تسلّيًا، وتركُ مساكنة الأحوال، والرجوعُ عن موافقتها؛ فلا٢ يستغني بها اعتمادًا عليها، ولا يفتقرُ إليها مساكنةً لها.

ومن نعته أنَّه يعمل على موافقة اللَّه في٣ الصبر والرضى والتوكل والإنابة، فهو عاملٌ على مراد اللَّه منه لا على موافقة هواه، وهو تحصيل مراده من اللَّه. فالفقيرُ خالص بكلِّيته للَّه ﷿، ليس لنفسه ولا لهواه في أحواله حظٌّ ولا نصيب٤، بل عملُه بقيام شاهدِ الحقِّ وفناءِ شاهد نفسه. قد غيّبه شاهدُ الحقِّ عن شاهد نفسه، فهو يريد اللَّه بمراد اللَّه، فمعوَّله على اللَّه، وهمَّته لا تقف دون شيءٍ سواه. قد فني بحبّه عن حبِّ ما سواه، وبأمره عن هواه، وبحسن اختياره له عن اختياره لنفسه. فهو في وادٍ، والنَّاسُ في واد!

خاضع، متواضع، سليم القلب، سلِس القياد٥ للحقِّ، سريع القلب إلى ذكر اللَّه، بريء من الدعاوى لا يدعي بلسانه ولا بقلبه ولا بحاله. زاهدٌ في كلِّ ما سوى اللَّه، راغبٌ في كلِّ ما يقرِّب إلى اللَّه، قريبٌ من النَّاسِ، أبعد شيءٍ منهم، يأنس بما يستوحشون منه،

  1. (١) "ف": "لم يضره" تصحيف.
  2. (٢) "فلا" ساقط من "ط" ومستدرك في القطرية.
  3. (٣) "ط": "والصبر"، وصحح في القطرية.
  4. (٤) "ط": "ونصيب".
  5. (٥) "ط": "القيادة"، وصحح في القطرية.
106

ويستوحش ممَّا يأنسون به، متفرد١ في طريق طلبه، لا تقيده الرسوم، ولا تملكه العوائد٢، ولا يفرح بموجود، ولا يأسف على مفقود.

من جالسه قرَّت عينه به، ومن رآهُ ذكَّرتْه رؤيتُه باللَّه. قد حملَ كَلَّه ومُؤنته عن النَّاسِ، واحتمل أذاهم، وكفَّ٣ أذاه عنهم. وبذلَ لهم نصيحته، وسبَّل لهم عِرْضه ونفسه لا لمعاوضة ولا لذلَّة وعجز. لا يدخلُ فيما لا يعنيه، ولا يبخلُ بما لا ينقصه.

وصفه الصدق والعفَّة والإيثار والتواضع والحلم والوقار والاحتمال. لا يتوقع لما يبذله للنَّاسِ منهم عوضًا٤، ولا مدحة. لا يعاتِب، ولا يخاصم، ولا يطالِب، ولا يرى له على أحدٍ حقًّا، ولا يرى له على أحدٍ فضلًا.

مقبلٌ على شأنه، مكرمٌ لإخوانه، بخيل بزمانه، حافظ للسانه، مسافرٌ في ليله ونهاره، ويقظته ومنامه، لا يضغ عصا السيرِ عن عاتقه حتَّى يصل إلى مطلبه.

قد رُفِعَ له عَلَمُ الحبِّ، فشمَّرَ إليه، وناداهُ داعي الاشتياق، فأقبل بكلّيته عليه. أجابَ منادي المحبة إذ دعاه: حيَّ على الفلاح، وواصل السُّرى٥ في بيداءِ الطلب، فحمِد عند الوصول مسراه٦، وإنَّما يحمد

  1. (١) "ك، ط": "منفرد".
  2. (٢) "ك، ط": "الفوائد"، تحريف.
  3. (٣) "ك": "بكف أذاه".
  4. (٤) "ط": "عوضًا منهم".
  5. (٥) "ك": "وصل السير". "ط": "وصل السرى".
  6. (٦) "ط": "سراه".
107

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي