ويستوحش ممَّا يأنسون به، متفرد١ في طريق طلبه، لا تقيده الرسوم، ولا تملكه العوائد٢، ولا يفرح بموجود، ولا يأسف على مفقود.
من جالسه قرَّت عينه به، ومن رآهُ ذكَّرتْه رؤيتُه باللَّه. قد حملَ كَلَّه ومُؤنته عن النَّاسِ، واحتمل أذاهم، وكفَّ٣ أذاه عنهم. وبذلَ لهم نصيحته، وسبَّل لهم عِرْضه ونفسه لا لمعاوضة ولا لذلَّة وعجز. لا يدخلُ فيما لا يعنيه، ولا يبخلُ بما لا ينقصه.
وصفه الصدق والعفَّة والإيثار والتواضع والحلم والوقار والاحتمال. لا يتوقع لما يبذله للنَّاسِ منهم عوضًا٤، ولا مدحة. لا يعاتِب، ولا يخاصم، ولا يطالِب، ولا يرى له على أحدٍ حقًّا، ولا يرى له على أحدٍ فضلًا.
مقبلٌ على شأنه، مكرمٌ لإخوانه، بخيل بزمانه، حافظ للسانه، مسافرٌ في ليله ونهاره، ويقظته ومنامه، لا يضغ عصا السيرِ عن عاتقه حتَّى يصل إلى مطلبه.
قد رُفِعَ له عَلَمُ الحبِّ، فشمَّرَ إليه، وناداهُ داعي الاشتياق، فأقبل بكلّيته عليه. أجابَ منادي المحبة إذ دعاه: حيَّ على الفلاح، وواصل السُّرى٥ في بيداءِ الطلب، فحمِد عند الوصول مسراه٦، وإنَّما يحمد
(١) "ك، ط": "منفرد".
(٢) "ك، ط": "الفوائد"، تحريف.
(٣) "ك": "بكف أذاه".
(٤) "ط": "عوضًا منهم".
(٥) "ك": "وصل السير". "ط": "وصل السرى".
(٦) "ط": "سراه".
القوم السُّرى عند الصباح:
فحيَّ على جنَّاتِ عدنٍ فإنَّهامنازلُكَ الأولى وفيها المخيَّمُ١
ولكنَّنا سَبْيُ العدوّ، فهل ترىنعود إلى أوطاننا ونسلِّمُ
وحيَّ على روضاتها وخيامهاوحيَّ على عيشِ بها ليس يُسأَمُ
وحيَّ على يوم المزيد وموعدِ الــمحبِّين، طوبى للذي هو منهمُ
وحيَّ على وادٍ بها [هو أفيَحٌوتربتُه من أذفرِ المسك أعظمُ]٢
منابرُ من نورٍ [هناكَ وفضَّةٍومن خالص العِقيانِ لا يتفصّمُ]٣
(١) هذه القصيدة الميمية للمصنف ﵀. وقد أورد ٤٨ بيتًا منها في حادي الأرواح (٣٠ - ٣٢)، وطبعت كاملة ضمن مجموعة لم أقف عليها بعنوان "أربح بضاعة في معتقد أهل السنة والجماعة" سنة ١٣١٦ هـ في الهند. ثم نشرتها مع النونية مكتبة ابن تيمية بالقاهرة سنه ١٤٠٧ هـ.
(٢) كذا ورد البيت في "ك، ط" وحادي الأرواح. وفي الأصل: وحيَّ على واد بها أفيح به ... منابر من نور. . . . . . . . . . كذا ورد ناقضا، وبعده بياض، فأراد بعضهم استدراك النقص فقال في الحاشية: "لعله "لدى الرسل تُعلم" أو "بها الرسل تكرم". وقد أثبت ناسخ "ف" الاقتراح الأوَّل، ولكن نبَّه على أنَّه "ليس هذا من كلام المصنف ﵀". وفي "ن" أيضًا ورد البيت كما في الأصل، فضرب بعضهم على "به منابر من نور"، وكتب بعده الشطر الثاني كما ورد في "ك". وقد تبين من "ك" وحادي الأرواح أن "منابر من نور" ليس جزءًا من هذا البيت، بل هو بداية البيت التالي. هذا، وقد كتب بإزائه في الحاشية اليسرى: "تضيء بهم تلك المنابر" كأنَّه بداية بيت جديد لم يكتمل!
(٣) تكملة هذا البيت من "ك"، ولم يرد في الأصل وغيره إلَّا أوَّله مع صدر البيت السابق. "لا يتفصم": كذا بالفاء في "ك". وتفصم الشيء: انكسر دون بينونة. =