طريق الهجرتين

ومستحيلٌ١ أن تستند في وجودها إلى ربَّين متكافئين، فكذلك يستحيل أن تستند في بقائها وصلاحها إلى إلهين متساويَين.

إذا عُرفَ هذا فاعلم أنَّ حاجةَ العبد إلى أن يعبد اللَّه وحده، ولا يشرك٢ به شيئًا في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرب = أعظمُ من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها. بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به، فإنَّ حقيقة العبد قلبه وروحه٣، ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إلهَ إلا هو. فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحًا فملاقيته، ولابد لها من لقائه؛ ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له، ورضاه وإكرامه لها.

ولو حصلَ للعبد من اللذات والسرور بغير اللَّه ما حصلَ لم يدُمْ له ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في وقت، ثمَّ يتعذب به٤ -ولا بد- في وقت آخر. وكثيرًا ما يكون ذلك الذي يتنعم به ويلتذ به غيرَ منعِمٍ له ولا مُلِذّ، بل قد يؤذيه اتصالُه به ووجودُه عنده٥، ويضرّه ذلك. وإنما يحصل له بملابسته من جنس ما يحصل للجَرِب من لذة الأظفار التي تحكُه، فهي تُدمي الجلد

  1. (١) "ك، ط": "يستحيل".
  2. (٢) "ك، ط": "وحده لا يشرك".
  3. (٣) "ك، ط": "وروحه وقلبه".
  4. (٤) "ك": "يعذب به". "ط": "يعذب ولابد".
  5. (٥) في الأصل وغيره: "عنه"، وهو سهو. والصواب ما أثبتنا من "ط".
120

وتُحْرِقُه١ وتزيد في ضرره، وهو يؤثر ذلك لما له في حكّها من اللَّذّة. وهكذا ما يتعذب به القلب من محبة غير اللَّه، هو عذابٌ عليه ومضرةٌ وألمٌ في الحقيقة، لا تزيد لذَّتُه على لذة حكّ الجرِب. والعاقل يوازن بين الأمرين ويؤثر أرجحَهما وأنفعَهما، واللَّه الموفق المعين، وله الحجَّة البالغة، كما له النعمة السابغة.

والمقصود أن إله العبد الذي لا بُدَّ له منه في كل حالة وكلِّ دقيقة وكلِّ طرفة عين فهو٢ الإلهُ الحق الذي كلُّ ما سواه باطل، الذي٣ أينما كان فهو معه. وضرورته إليه٤ وحاجته إليه لا تشبهها٥ ضرورةٌ ولا حاجةٌ، بل هي فوق كل ضرورة، وأعظمُ من كل حاجة، ولهذا قال إمام الحنفاء: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ٧٦﴾ [الأنعام/ ٧٦]٦.

  1. (١) "ط": "تخرقه".
  2. (٢) "ط": "هو".
  3. (٣) "ط": "والذي".
  4. (٤) "إليه" ساقط من "ك، ط".
  5. (٥) "ف، ك": "يشبههَا".
  6. (٦) زاد بعدها في "ك، ط": "واللَّه أعلم".
121

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي