لا يُنال إلا بطاعته، وأنَّه ما استُجلِبتْ نِعَمُ اللَّه بغير طاعته، ولا استُديمتْ بغير شكره، ولا عُوِّقتْ وامتنعتْ بغير معصيته. وكذلك إذا أنعمَ عليك ثمَّ سلبك النعمة فإنه لم يسلبها لبخل منه ولا استئثار بها عليك، وإنَّما أنت السبب١ في سلبها عنك، فإنَّ اللَّه لا يغيِّر ما بقومٍ حتَّى يغيروا ما بأنفسهم.
إذا كنتَ في نعمةٍ فارْعَهَافإنَّ الذنوبَ تُزيلُ النِّعَمْ٣
فآفتُك من نفسك، وبلاؤك منك٤، وأنت في الحقيقة الذي بالغتَ في عداوتك، وبلغتَ من معاداة نفسك ما لا يبلغ العدوُّ منك، كما قيل:
ما يبلغُ الأعداءُ من جَاهلٍما يبلغُ الجاهلُ من نفسِهِ٥
(١) "ك": "المتسبب"، "ط": "المسبب".
(٢) زاد في "ك": "شعر".
(٣) من ثمانية أبيات ذكرها المؤلف في الداء والدواء (١١٩)، وهذا البيت وحده في بدائع الفوائد (٧١٢) وسيأتي مرة أخرى في كتابنا ص (٥٨٢). وفي "ك، ط": "فإنَّ المعاصي". وقد نقل ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٤/ ٧٠) بسنده أن عمر بن عبد العزيز كان يتمثل بهذا البيت وبيت آخر بعده: ولا تحقرن صغير الذنوب ... فإن الإله شديد النقمْ وانظر أيضًا: تاريخ دمشق (٥١/ ١٠٣).
(٤) "ك، ط": "من نفسك".
(٥) ذكره المصنف في الداء والدواء (١٥٩)، والمدارج (١/ ٢٦٤)، والمفتاح =
ومن العجب أنَّ هذا شأنك مع نفسك، وأنت تشكو المحسن البريء عن الشكاية، وتتهم أقداره وتعاتبها١ وتلومها! فقد ضيعت فرصتك، وفرَّطت في حظك، وعجز رأيك عن معرفة أسباب سعادتك وإرادتها، ثمَ قعدتَ تعاتب القدرَ بلسان الحال والقال! فأنت المعنيّ بقول القائل:
وعاجزُ الرَّأي مِضياعٌ لِفرصتهحتَّى إذا فاتَ أمرٌ عاتَبَ القَدَرا٢
ولو شعرتَ بدائك٣، وعلمتَ من أين دُهِيتَ ومن أين أُصِبتَ، لأمكنك تداركُ ذلك. ولكن قد فسدت الفطرة، وانتكس القلب، وأطفأ الهوى مصابيح العلم والإيمان منه، فأعرضتَ عمَّن أصلُ بلائك ومصيبتك منه، وأقبلتَ تشكو مَنْ كلُّ إحسان دقيق أو جليل وصل إليك فمنه. فإذا شكوته إلى خلقه كنتَ كما قال بعض العارفين، وقد رأى رجلًا يشكو إلى آخر ما أصابه ونزل به٤: يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك!
وإذا عَرَتْكَ مصيبةٌ فاصْبِرْ لهاصبرَ الكريمِ فإنَّهُ بك أرحَمُ٥
= (٣/ ٣٨)، والبدائع (١١٨٨). وهو لصالح بن عبد القدوس. انظر: التمثيل والمحاضرة (٧٧)، والحماسة البصرية (٨٧٤).
(١) "ط": "تعانيها"، تصحيف.
(٢) تمثل به المصنف في الروح (٢٩)، والفوائد (١٨١). وقد أنشده الجاحظ في البيان (٢/ ٣٥٠)، ونسب في المنتخل (١/ ٤٦٣) إلى الخليل بن أحمد.