وإذا شكوتَ إلى ابنِ آدمَ إنَّماتشكو الرحيمَ إلى الذي لا يرحمُ١
وإذا علمَ العبدُ حقيقة الأمر، وعرف من أين أُتِيَ، ومن أيِّ الطرقِ أُغيرَ على سَرْحه٢، ومن أي ثَغرَة سُرِقَ متاعُه وسُلِبَ = استحيا من نفسه -إن لم يستحي من اللَّه- أن يشكوَ أحدًا من خلقه، أو يتظلَّمهم، أو يرى مصيبته وآفته٣ من غيره.
هذا، ومن المخاطب بهذا الخطاب؟٤ وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾[النساء/ ٧٩].
(١) قول العارف مع البيتين في المدارج (٢: ١٩٢). ونسب البيتان في الكشكول (١: ٧٤) إلى الإمام زين العابدين -مع اختلاف في الألفاظ- والبيت الثاني مع آخر في عيون الأخبار (٢/ ٢٦٠).
(٢) السرح: الماشية الراعية.
(٣) "ف": "وافية"، تحريف.
(٤) "هذا. . . الخطاب" كذا في الأصل وغيره، وهو ساقط من "ط".
[الاحتجاج بالقدر، والنصوص الواردة في إثباته]
فإن أصررتَ١ على اتهام القدر، وقلتَ: فالسببُ الذي أُصِبتُ به٢، وأُتيتُ منه، ودُهيتُ منه، قد سبقَ به القدرُ والحكمُ، وكان في الكتاب مسطورًا، فلا بُد منه على الرغم منِّي. وكيف لي أن أنفكَّ منه، وقد أُودع الكتابَ الأوَّل قبل بدءِ الخليقة، والكتابَ الثاني قبل خروجي إلى هذا العالم، وأنا في ظلمات الأحشاءِ، حين أُمر الملَكُ بكَتْب الرزق والأجل والسعادة والشقاوة؛ فلو جريتُ إلى سعادتي ما جريتُ حتَّى بقيَ بيني وبينها شِبْرٌ لغلَب عليَّ الكتابُ، فأدركتني الشقاوة. فما حيلةُ من قلبُه بيدِ غيرِه، يقفبه كيف يشاءُ، ويصرّفه كيف أراد؛ إن شاءَ أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يُزيغه أزاغه. فهو٣ الذي يحول بين المرءِ وقلبه، وهو الذي يثبِّت قلبَ العبد إذا شاءَ، ويُزلزله إذا شاء، فالقلب مربوب مقهور تحت سلطانه لا يتحرك إلا بإذنه ومشيئته.
قال أعلمُ الخلق بربِّه صلوات اللَّه وسلامه عليه: "ما من قلب إلا وهو بين إصبَعين من أصابع الرحمن، إن شاءَ أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه"، ثمَ قال: "اللَّهم مقلِّبَ القلوب ثبِّت قلوبَنا على دينك"٤ وكانت٥ أكثر يمينه: "لا، ومقلِّبِ القلوب"٦.
(١) سيأتي جواب هذا الشرط، والرد على الاحتجاج بالقدر في ص (١٧٧).
(٢) "ط": "منه".
(٣) هذه قراءة "ن". وفي "ف" وغيرها: "وهو".
(٤) تقدم تخريجه في ص (١٧).
(٥) "ك، ط": "كان".
(٦) أخرجه البخاري في كتاب القدر (٦٦١٧) من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄.