فإن أصررتَ١ على اتهام القدر، وقلتَ: فالسببُ الذي أُصِبتُ به٢، وأُتيتُ منه، ودُهيتُ منه، قد سبقَ به القدرُ والحكمُ، وكان في الكتاب مسطورًا، فلا بُد منه على الرغم منِّي. وكيف لي أن أنفكَّ منه، وقد أُودع الكتابَ الأوَّل قبل بدءِ الخليقة، والكتابَ الثاني قبل خروجي إلى هذا العالم، وأنا في ظلمات الأحشاءِ، حين أُمر الملَكُ بكَتْب الرزق والأجل والسعادة والشقاوة؛ فلو جريتُ إلى سعادتي ما جريتُ حتَّى بقيَ بيني وبينها شِبْرٌ لغلَب عليَّ الكتابُ، فأدركتني الشقاوة. فما حيلةُ من قلبُه بيدِ غيرِه، يقفبه كيف يشاءُ، ويصرّفه كيف أراد؛ إن شاءَ أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يُزيغه أزاغه. فهو٣ الذي يحول بين المرءِ وقلبه، وهو الذي يثبِّت قلبَ العبد إذا شاءَ، ويُزلزله إذا شاء، فالقلب مربوب مقهور تحت سلطانه لا يتحرك إلا بإذنه ومشيئته.
قال أعلمُ الخلق بربِّه صلوات اللَّه وسلامه عليه: "ما من قلب إلا وهو بين إصبَعين من أصابع الرحمن، إن شاءَ أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه"، ثمَ قال: "اللَّهم مقلِّبَ القلوب ثبِّت قلوبَنا على دينك"٤ وكانت٥ أكثر يمينه: "لا، ومقلِّبِ القلوب"٦.
(١) سيأتي جواب هذا الشرط، والرد على الاحتجاج بالقدر في ص (١٧٧).
(٢) "ط": "منه".
(٣) هذه قراءة "ن". وفي "ف" وغيرها: "وهو".
(٤) تقدم تخريجه في ص (١٧).
(٥) "ك، ط": "كان".
(٦) أخرجه البخاري في كتاب القدر (٦٦١٧) من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄.
وقال بعض السلف: "مثل القلب مثل ريشة في أرض فلاة تقلِّبها الرياح ظهرًا لبطن"١.
فما حيلةُ قلب هو بيد مقلبه ومصرفه، وهل له مشيئة بدون مشيئته؟ كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[التكوير/ ٢٩].
وروى٢ عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد قال: تلا رسول اللَّه ﷺ قوله ﷿: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ٢٤﴾[محمد/ ٢٤] وغلامٌ جالسٌ عند رسول اللَّه ﷺ فقال: بلى، واللَّه يا رسول اللَّه، إنَّ عليها لأقفالها، ولا يفتحُها إلا الذي أقفلها. فلمَّا وُلِّيَ عمرُ بن الخطَّاب طلَبه ليستعمله وقال: "لم يقل ذلك إلا من عقل"٣.
وقال طاووس: "أدركتُ ثلاثمائة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ يقولون: كل شيء بقدر"٤.
(١) أخرجه ابن الجعد في مسنده (١٤٩٩) ومسدّد في مسنده (١/ ٦٠ مصباح الزجاجة). وذكره أحمد في المسند (١٩٧٥٧) وغيرهم عن أبي موسى موقوفًا. وقد اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف هو الصواب. وقد روى معناه عن أبي عبيدة ﵁ أبو نعيم في الحلية (١/ ١٠٢) وغيره، وفيه انقطاع. (ز).
(٢) "ط": "وروي عن".
(٣) أخرجه الدارقطني في الأفراد كما في أطراف الغرائب والأفراد (٣/ ٩٨) (٢١٤٦)، والبيهقي في القضاء والقدر (٣٨٦). قال الدارقطني: "غريب من حديثه، عن سهل (يعني أبا حازم)، تفرد به ذؤيب بن عمامة، عن عبد العزيز، عن أبيه". (ز).
(٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥٣٥، ٦٦١). وسيأتي بلفظ آخر في ص (١٤٦).