وقال بعض السلف: "مثل القلب مثل ريشة في أرض فلاة تقلِّبها الرياح ظهرًا لبطن"١.
فما حيلةُ قلب هو بيد مقلبه ومصرفه، وهل له مشيئة بدون مشيئته؟ كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[التكوير/ ٢٩].
وروى٢ عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد قال: تلا رسول اللَّه ﷺ قوله ﷿: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ٢٤﴾[محمد/ ٢٤] وغلامٌ جالسٌ عند رسول اللَّه ﷺ فقال: بلى، واللَّه يا رسول اللَّه، إنَّ عليها لأقفالها، ولا يفتحُها إلا الذي أقفلها. فلمَّا وُلِّيَ عمرُ بن الخطَّاب طلَبه ليستعمله وقال: "لم يقل ذلك إلا من عقل"٣.
وقال طاووس: "أدركتُ ثلاثمائة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ يقولون: كل شيء بقدر"٤.
(١) أخرجه ابن الجعد في مسنده (١٤٩٩) ومسدّد في مسنده (١/ ٦٠ مصباح الزجاجة). وذكره أحمد في المسند (١٩٧٥٧) وغيرهم عن أبي موسى موقوفًا. وقد اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف هو الصواب. وقد روى معناه عن أبي عبيدة ﵁ أبو نعيم في الحلية (١/ ١٠٢) وغيره، وفيه انقطاع. (ز).
(٢) "ط": "وروي عن".
(٣) أخرجه الدارقطني في الأفراد كما في أطراف الغرائب والأفراد (٣/ ٩٨) (٢١٤٦)، والبيهقي في القضاء والقدر (٣٨٦). قال الدارقطني: "غريب من حديثه، عن سهل (يعني أبا حازم)، تفرد به ذؤيب بن عمامة، عن عبد العزيز، عن أبيه". (ز).
(٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥٣٥، ٦٦١). وسيأتي بلفظ آخر في ص (١٤٦).
وقال أيوب السَّخْتِياني: "أدركتُ الناسَ، وما كلامهم إلا: إن قُضِي، إن قُدِّرَ"١.
وقال عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٢٩﴾[الجاثية/ ٢٩] قال: "كتب اللَّه أعمال بني آدم وما هم عاملون إلى يوم القيامة". قال: "والملائكة تستنسخ ما يعمل بنو آدم يومًا بيوم، فذلك قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٢٩﴾[الجاثية/ ٢٩] "٢.
وفي الآية قول آخر: إن استنساخ الملائكة هو كتابتهم لما يعمل بنو آدم بعد أن يعملوه٣.
وقد يُقال وهو الأظهر: إنَّ الآية تعمُ الأمرَين، فيأمر اللَّه ملائكته فتنسخ٤ من أم الكتاب أعمالَ بني آدم، ثمَ يكتبونها عليهم إذا عملوها، فلا تزيد على ما نسخوه من أم الكتاب ذرةً ولا تنقصها٥.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ٤٩﴾[القمر/ ٤٩]: "خلَق اللَّه الخلقَ كلَّهم بقدر، وخلق الخير والشر؛ فخير الخير السعادة، وشر الشر الشقاوة"٦.
وفي صحيح مسلم عن أبي الأسود الدِّيلي٧ قال: قال لي عمران بن
(١) أخرجه البيهقي في القضاء والقدر (٢١٣)، وسنده صحيح. (ز).
(٢) تفسير الطبري (٢٥/ ١٥٦).
(٣) المصدر السابق، زاد المسير (٧/ ٣٦٥).
(٤) "ك، ط": "فتستنسخ".
(٥) وانظر: شفاء العليل (٥٤).
(٦) تفسير الطبري (٢٧/ ١١١).
(٧) "ط": "الدؤلي". وهكذا يقول البصريون. وكان ابن إسحاق وأبو عبيد وابن =