وقال أيوب السَّخْتِياني: "أدركتُ الناسَ، وما كلامهم إلا: إن قُضِي، إن قُدِّرَ"١.
وقال عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٢٩﴾[الجاثية/ ٢٩] قال: "كتب اللَّه أعمال بني آدم وما هم عاملون إلى يوم القيامة". قال: "والملائكة تستنسخ ما يعمل بنو آدم يومًا بيوم، فذلك قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٢٩﴾[الجاثية/ ٢٩] "٢.
وفي الآية قول آخر: إن استنساخ الملائكة هو كتابتهم لما يعمل بنو آدم بعد أن يعملوه٣.
وقد يُقال وهو الأظهر: إنَّ الآية تعمُ الأمرَين، فيأمر اللَّه ملائكته فتنسخ٤ من أم الكتاب أعمالَ بني آدم، ثمَ يكتبونها عليهم إذا عملوها، فلا تزيد على ما نسخوه من أم الكتاب ذرةً ولا تنقصها٥.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ٤٩﴾[القمر/ ٤٩]: "خلَق اللَّه الخلقَ كلَّهم بقدر، وخلق الخير والشر؛ فخير الخير السعادة، وشر الشر الشقاوة"٦.
وفي صحيح مسلم عن أبي الأسود الدِّيلي٧ قال: قال لي عمران بن
(١) أخرجه البيهقي في القضاء والقدر (٢١٣)، وسنده صحيح. (ز).
(٢) تفسير الطبري (٢٥/ ١٥٦).
(٣) المصدر السابق، زاد المسير (٧/ ٣٦٥).
(٤) "ك، ط": "فتستنسخ".
(٥) وانظر: شفاء العليل (٥٤).
(٦) تفسير الطبري (٢٧/ ١١١).
(٧) "ط": "الدؤلي". وهكذا يقول البصريون. وكان ابن إسحاق وأبو عبيد وابن =
حصين: أرأيتَ ما يعمل الناس اليوم ويكدحون، أشيء قُضي عليهم ومضى عليهم من قدرٍ قد سبق، أو فيما يستقبلون ممَّا أتاهم به نبيهم وثبتت به الحجة؟ قال قلتُ: لا، بل فيما قضي عليهم ومضى. قال: أفيكون ذلك ظلمًا؟ قال: ففزعتُ فزعًا شديدًا وقلتُ: إنه ليس شيء إلا خلقه وملكه، ولا يُسأل عمَّا يفعل، وهم يُسْألَون. فقال: سددك اللَّه، إنما سألتك لأحزر١ عقلك. إنَّ رجلًا من مُزينة -أو جهينة- أتى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، أرأيت ما يعمل النَّاس ويتكادحون فيه، أشيءٌ قضي عليهم ومضى، أو فيما يستقبلون ممَّا أتاهم به نبيُّهم؟ قال: "فيما قضي عليهم ومضى". فقال الرجل: ففيم العمل؟ قال رسول اللَّه ﷺ: "من كان خلقه اللَّه لإحدى المنزلتين فسيستعمله لها. وتصديقُ ذلك في كتاب اللَّه ﷿: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨﴾[الشمس/ ٧، ٨]٢.
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[البقرة/ ٣٠]. قال: علِم من إبليس المعصية وخلقه لها٣.
وقال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾[الأعراف/ ٣٠]،
= حبيب يقولون: "الديلي"، كما جاء في الأصل وغيره. انظر: تقييد المهمل (١/ ٢٤٩ - ٢٥١) وفرحة الأديب (٣٥).
(١) أي لأمتحن عقلك، وأصل الحزر: التقدير والخرص. وفي "ط": "لأحرز"، تصحيف.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب القدر (٢٦٥٠).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٦٥) (٣٦) والطبري في تفسيره (١/ ٤٧٧)، وسنده صحيح (ز).