طريق الهجرتين

نفسي بيده ما ينال من الدنيا إلا ما قُسِمَ له، فإذا أكل رزقه قُبِضَ"١.

وفي صحيح مسلم٢: عن حذيفة بن أُسيد يبلغ به النبي ﷺ قال: "يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة فيقول: يا رب، أشقي أم سعيد؟ فيكتبان، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره ورزقه، ثم تطوى الصحف، فلا يزاد فيها ولا ينقص".

وفي الصحيحين عن أنس بن مالك -ورفع الحديث- قال: "إن اللَّه وكّل بالرحم ملكًا فيقول: أي ربّ نطفة، أي ربّ علقة، أي رب مضغة. فإذا أراد اللَّه أن يقضي خلقًا قال الملك: أي ربّ، ذكر أو أنثى، شقي أو سعيد، فما الرزق، فما الأجل؟ فيكتب ذلك في بطن أمه"٣.

وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ: "إن أحدكم يُجمَع خلقُه في بطن أمه أربعين يومًا ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم ينفخ فيه الروح، ويبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد"٤.

ففي٥ حديث ابن مسعود أنّ هذا التقدير وهذه الكتابة في الطور

  1. (١) أخرجه ابن وهب في القدر (٤٥)، والفريابي في القدر (١٤٥). وحسَّنه الحافظ في الفتح (١١/ ٤٧٩). قلتُ: فيه ابن لهيعة ضعيف الحديث. وعيسى بن هلال مجهول (ز).
  2. (٢) كتاب القدر (٢٦٤٤).
  3. (٣) أخرجه البخاري في القدر (٦٥٩٥) وغيره، ومسلم في القدر (٢٦٤٦).
  4. (٤) أخرجه البخاري في القدر (٦٥٩٤)، وغيره، ومسلم في القدر (٢٦٤٣).
  5. (٥) "ك، ط": "وفي".
155

الرابع من أطوار التخليق عند نفخ الروح فيه، وفي الأحاديث التي ذكرت١ آنفًا أنّ ذلك في الأربعين الأولى قبل كونه علقةً ومضغةً، وفي رواية صحيحة٢: "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلةً بعث اللَّه إليها ملكًا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها"٣، وفي رواية٤: أنّ ذلك يكون في بضع وأربعين ليلة٥.

فصل

الجمع بين هذه الروايات أنّ للملَك ملازمةً ومراعاةً لِحال٦ النطفة، وأنّه يقول: ياربّ هذه نطفة، هذه علقة، هذه مضغة، في أوقاتها. فكلّ وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر اللَّه تعالى، وهو أعلم بها منه٧.

ولِكلام الملَك وتصرُّفِه أوقاتٌ: أحدها حين يخلقها٨ اللَّه نطفةً ثم ينقلها علقةً، وهو أول أوقات علمِ الملك بأنه ولد، لأنه ليس كلّ نطفة تصير ولدًا، وذلك بعد الأربعين الأولى في أول الطور الثاني. ولهذا -واللَّه أعلم- وقعت الإشارة إليه في أول سورة أنزلها على رسوله ﴿اقْرَأْ

  1. (١) "ك، ط": "ذكرت أيضًا".
  2. (٢) "ن": "وفي حديث صحيح".
  3. (٣) أخرجه مسلم في القدر (٢٦٤٥) من حديث حذيفة بن أسيد.
  4. (٤) في صحيح مسلم أيضًا. انظر الموضع السابق.
  5. (٥) زاد في "ك، ط": "واللَّه أعلم".
  6. (٦) "ك، ط": "بحال".
  7. (٧) "منه" ساقط من "ك، ط".
  8. (٨) "ك، ط": "بكلام الملك، فتصرفه في أوقات. . ". "ف": "بكلام الملك، فيصرفه أوقات أخذها حتى يخلقها". والصواب ما أثبتنا من الأصل. وكذا في "ن" إلا أنَّ فيها: "حين يجعلها"، وهو تحريف.
156

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي