طريق الهجرتين

بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق/ ١ - ٢] إذ خلقُه من علقة هو أول مبدأ الإنسانية، وحينئذ يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقاوته وسعادته.

ثمّ للملك فيه تصرف آخر في وقت آخر، وهو تصويره وتخليق سمعه وبصره وجلده وعظمه ولحمه وذكوريته وأنوثيته. وهذا إنّما يكون في الأربعين الثالثة قبل نفخ الروح فيه، لأن١ نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام تصويره.

فههنا تقديران وكتابتان٢:

التقدير الأول عند ابتداءِ تعلّق٣ التخليق في النطفة، وهو إذا مضى عليها أربعون، ودخلت في طور العلقة، ولهذا في إحدى الروايات: "إذا مرّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة".

والتقدير الثاني والكتابة الثانية إذا٤ كمل تصويره وتخليقه وتقدير أعضائه وكونه ذكرًا أو أُنثى.

فالتقدير الأول تقدير لما يكون للنطفة بعد الأربعين، والتقدير الثاني تقدير لما يكون للجنين بعد تصويره.

ثم إذا وُلِد قُدّر مع ولادته كلَّ سنة ما يلقاه في تلك السنة، وهو ما يقدَّر ليلة القدر من العام إلى العام. فهذا التقدير أخصّ من التقدير

  1. (١) "ك، ط": "فيها فإن".
  2. (٢) "ط": "كتابان".
  3. (٣) "ك، ط": "تعليق".
  4. (٤) "ك، ط": "الثاني الكتابة إذا".
157

الثاني، والثاني أخصّ من الأول.

ونظير هذا أيضًا أنّ اللَّه سبحانه قدّر مقاديَر الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم قدّر مقادير هذا الخلق حين خلقه وأوجده١، ثم يقدّر كلّ سنة في ليلة القدر ما يكون في ذلك العام.

وهكذا تقدير أمر النطفة وشأنها يقع بعد تعلّقها بالرحم، وبعد كمال تصوير الجنين، وقد تقدّم ذلك٢ تقديرُ شأنها قبل خلق السموات والأرض، فهو تقدير بعد تقدير.

ونظير هذا أيضًا رفعُ الأعمال وعرضُها على اللَّه، فإنّ عمل العام يُرفَع في شعبان، كما أخبر به الصادق المصدوق أنه شهر ترفع فيه الأعمال، قال: "فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم"٣. ويُعرض عملُ الأسبوع يوم الاثنين والخميس، كما ثبت ذلك عن النبيّ ﷺ٤. ويُعْرَض عملُ اليوم في آخره والليلة في آخرها، كما في حديث أبي موسى الذي رواه البخاري٥ عن النبي ﷺ: "أنَّ اللَّه لا ينامُ ولا ينبغي له أن ينام، يخفض

  1. (١) "ك، ط": "خلقهم وأوجدهم".
  2. (٢) "ط": "تقدم ذكر تقدير"، خطأ.
  3. (٣) أخرجه أحمد (٢١٧٥٣)، والنسائي (٢٣٥٧) واللفظ له، من حديث أسامة بن زيد ﵄، وسنده حسن (ز).
  4. (٤) أخرجه أحمد (٢١٧٥٣، ٢١٧٨١)، وأبو داود (٢٤٣٦)، والنسائي في الكبرى (٢٧٨١، ٢٧٨٢) من حديث أسامة بن زيد، وسنده لا بأس به. وله طريق آخر عن أسامة عند ابن خزيمة (٢١١٩) (ز).
  5. (٥) وكذا في روضة المحبين (٥٦٥). وفي تهذيب السنن (١٣/ ٢٤) عزاه إلى الصحيحين، وهو سهو. فإنما أخرجه مسلم في كتاب الإيمان (١٧٩).
158

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي