ذارئٌ١ إلى يوم القيامة، فكتب الآجال والأرزاق والأعمال٢ والشقوة٣ والسعادة. فمِن علَمِ السعادة فعل الخير ومجالس الخير، ومِن علَمِ الشقاوة فعلُ الشر٤ ومجالس الشر"٥.
وقال جابر بن عبد اللَّه: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر كلِّه خيره وشرّه٦، ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبَه"٧.
وقال هشام٨ عن أبيه عن عائشة: "إنَّ العبدَ ليعمل الزمانَ بعمل أهل الجنَّة، وإنَّهُ عند اللَّه لمكتوبٌ من أهل النَّار"٩.
والآثار في ذلك أكثر من أن تذكر، وإنَّما أشرنا إلى بعضها إشارة.
فصل
فالجوابُ١٠ أنَّ ههنا مقامَين: مقامَ إيمان وهدى ونجاة، ومقامَ ضلال وردى وهلاك، زلَّت فيه أقدام، فهوَتْ بأصحابها إلى دار الشقاء.
(١) "ك، ط": "منه ذراري إلى".
(٢) "ك، ط": "وكتب الآجال والأعمال والأرزاق".
(٣) "ط": "الشقاوة".
(٤) "ك، ط": "عمل الشر".
(٥) أخرجه اللالكائي (١٢٤١)، وسنده صحيح (ز).
(٦) زاد في "ط" بعده بين حاصرتين: "وأن".
(٧) أخرجه اللالكائي (١٢٤٢)، وسنده ضعيف (ز).
(٨) زاد في "ط" بين حاصرتين: "بن عروة بن الزبير".
(٩) أخرجه اللالكائي (١٢٤٣)، وسنده ضعيف. (ز).
(١٠) وهو جواب قوله: "فإن أصررت على اتهام القدر. . . " الذي سبق في ص (١٣٧). وبدأ المؤلف من هذا الفصل بالرد على الاحتجاج بالقدر، والإجابة عن الإشكال الوارد بسببه.
فأمَّا مقام الإيمان والهدى والنجاة فمقام إثبات القدر والإيمان به، وإسناد جميع الكائنات إلى مشيئة ربها وبارئها وفاطرها، وأنَّه١ ما شاء كان وإن لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم يكن وإن شاءه٢ الناس. وهذه الآثار التي ذكرت٣ كلها تُحقِّق هذا المقام، وتبيِّن أن من لم يؤمن بالقدر فقد أنسلخ من التوحيد، ولبس جلباب الشرك، بل لم يؤمن باللَّه ولم يعرفه، وهذا في كل كتابِ أنزله اللَّه على كلِّ رسولٍ أرسله٤.
وأمَّا المقام الثاني -وهو مقام الضلال والردى والهلاك- فهو الاحتجاجُ به على اللَّه٥، وحملُ العبدِ ذنبَه على ربه، وتنزيهُ نفسه الجاهلة الظالمة الأمَّارة بالسوء، وجعلُ أرحمِ الراحمين وأعدلِ العادلين وأحكمِ الحاكمين وأغنى الأغنياء أضرَّ على العباد من إبليس؛ كما صرَّح به بعضهم، واحتجَّ عليه بما خصَمه فيه من لا تدحَض حجَّتُه ولا تطاق مغالبتُه، حتَّى يقول قائلُ هؤلاء:
ألقاه في اليمِّ مكتوفًا وقال لهإيَّاكَ إيَّاكَ أن تبتلَّ بالماءِ٦
(١) "ك، ط": "وأنّ".
(٢) "ك، ط": "شاء".
(٣) "التي ذكرت": ساقط من "ط".
(٤) "ط": "على رسله".
(٥) "ط": "على ذنبه على اللَّه".
(٦) أنشده المؤلف في مدارج السالكين (١/ ٢٦٢)، وشفاء العليل (٢٠)، وهو منسوب إلى الحلاج في وفيات الأعيان (٢/ ١٤٣). وأثبت في "طـ" بيتًا آخر قبله: ما حيلة العبد والأقدارُ جاريةٌ ... عليه في كلِّ حال أيها الرائي وهما في ديوانه (٢٦).