فأمَّا مقام الإيمان والهدى والنجاة فمقام إثبات القدر والإيمان به، وإسناد جميع الكائنات إلى مشيئة ربها وبارئها وفاطرها، وأنَّه١ ما شاء كان وإن لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم يكن وإن شاءه٢ الناس. وهذه الآثار التي ذكرت٣ كلها تُحقِّق هذا المقام، وتبيِّن أن من لم يؤمن بالقدر فقد أنسلخ من التوحيد، ولبس جلباب الشرك، بل لم يؤمن باللَّه ولم يعرفه، وهذا في كل كتابِ أنزله اللَّه على كلِّ رسولٍ أرسله٤.
وأمَّا المقام الثاني -وهو مقام الضلال والردى والهلاك- فهو الاحتجاجُ به على اللَّه٥، وحملُ العبدِ ذنبَه على ربه، وتنزيهُ نفسه الجاهلة الظالمة الأمَّارة بالسوء، وجعلُ أرحمِ الراحمين وأعدلِ العادلين وأحكمِ الحاكمين وأغنى الأغنياء أضرَّ على العباد من إبليس؛ كما صرَّح به بعضهم، واحتجَّ عليه بما خصَمه فيه من لا تدحَض حجَّتُه ولا تطاق مغالبتُه، حتَّى يقول قائلُ هؤلاء:
ألقاه في اليمِّ مكتوفًا وقال لهإيَّاكَ إيَّاكَ أن تبتلَّ بالماءِ٦
(١) "ك، ط": "وأنّ".
(٢) "ك، ط": "شاء".
(٣) "التي ذكرت": ساقط من "ط".
(٤) "ط": "على رسله".
(٥) "ط": "على ذنبه على اللَّه".
(٦) أنشده المؤلف في مدارج السالكين (١/ ٢٦٢)، وشفاء العليل (٢٠)، وهو منسوب إلى الحلاج في وفيات الأعيان (٢/ ١٤٣). وأثبت في "طـ" بيتًا آخر قبله: ما حيلة العبد والأقدارُ جاريةٌ ... عليه في كلِّ حال أيها الرائي وهما في ديوانه (٢٦).
وقال بعضهم -وقد ذكر له مَن٣ يخاف من إفساده- فقال: لي خمس بنات لا أخاف على إفسادهِنّ غيره!
وصعد رجل يومًا على سطح دار له، فأشرف على غلام له يفجُر بجاريته، فنزل، وأخذهما ليعاقبهما، فقال الغلام: إن القضاء والقدر لم يدَعانا حتى فعلنا ذلك. فقال: لَعِلمُك بالقضاء والقدر أحبُّ إليَّ من كلِّ
(١) أنشده المؤلف في المدارج (١/ ٢٦٤). "قصتي": كذا في الأصول. وفي أعيان العصر (٣/ ٢٩٢) وفي المدارج وغيره: "قضيتي". والبيت من قصيدة شاعت في الشام في ذلك العهد، وذكر ابن حجر أن محمد بن أبي بكر السكاكيني عملها على لسان ذمي (الدرر الكامنة ١/ ١٥٦). ويقال إن ناظمها ابن البقَقي المتهم بالزندقة، فانبرى للرد عليها نظفا كبار علماء مصر والشام. منهم شيخ الإسلام ابن تيمية (الفتاوى ٨/ ٢٤٥ - ٢٥٥) والعلاء الباجي، والعلاء القونوي وغيرهم. انظر قصائدهم في طبقات الشافعية (١٠/ ٣٥٢ - ٣٦٦).
(٢) ذكرها المؤلف في المدارج (١/ ٢٦٢)، وهي للشبلي في تاريخ بغداد (١٢/ ٩٥)، مع اختلاف في بعض الألفاظ.