ورأى آخر رجلًا٢ يفجر بامرأته، فبادر ليأخذه فهرَب، فأقبل يضرب المرأة، وهي تقول: القضاءُ والقدر. فقال: يا عدوّةَ اللَّه أتزني وتعتذري٣ بمثل هذا؟ فقالت: أوَّهْ تركتَ السنّة، وأخذت بمذهب ابن عبَّاد٤! فتنبَّهَ ورمى السوط٥ من يده، واعتذر إليها، وقال: لولاكِ لَضلَلْتُ!
ورأى آخر رجلًا آخر يفجر بامرأته فقال: ما هذا؟ فقالت: هذا قضاءُ اللَّه وقدره. فقال: الخِيرة فيما قضى اللَّه! فلُقِّب بـ "الخيرة فيما قضى اللَّه"، وكان إذا دعي به غضب!
وقيل لبعض هؤلاء: أليس اللَّه ﷿٦ يقول: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾[الزمر/ ٧] فقال: دعنا من هذا، رضيَه وأحبه وأراده، وما أفسدنا غيرُه!
(١) نقل ابن النديم حكاية تشبه هذه عن سلام القارئ من متكلمة الجبرية. انظر الفهرست (٢٣٥).
(٢) "رجلًا" ساقط من "ك، ط".
(٣) كذا في الأصل و"ف، ن". وفي "ك، ط": "تزنين وتعتذرين" حسب القاعدة.
(٤) كذا في الأصل و"ف، ن". وفي "ك، ط": "ابن عباس"، وهو خطأ، فإن المقصود بمذهب ابن عباد هنا إنكار القدر. والمشهور بابن عباد هو الصاحب المتوفى سنة ٣٢٥. وقد يكون المراد محمد بن عباد بن كاسب صديق ثمامة بن الأشرس (٢١٣ هـ). ذكره الجاحظ في البيان (١/ ٤٤) والحيوان (١/ ٢٦٥).
(٥) "ط": "بالسوط".
(٦) "ك، ط": "أليس هو يقول".
ولقد بالغَ بعضهم في ذلك حتى قال: القدرُ عذر لجميع العصاة، وإنَّما مثلنا في ذلك كما قيل:
إذا مرِضنا أتيناكم نعودُكُمُوتُذنبون فنأتيكم فنعتذرُ١
وبلغ بعضَ هؤلاء أنَّ عليًّا مرَّ بقتلى النهروان فقال: "بؤسًا لكم، لقد ضرَّكم من غرَّكم". فقيل: من غرَّهم؟ فقال: "الشيطان، والنَّفس الأمَّارة بالسوء، والأماني". فقال هذا القائل: كان علي قدريًّا، وإلا فاللَّهُ غرَّهم، وفعل بهم ما فعل، وأوردَهم تلك الموارد.
واجتمع جماعة من هؤلاء يومًا، فتذاكروا القدر، فجرى ذكرُ الهدهد وقولِهِ: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾[النمل/ ٢٤]٢، فقال: كان الهدهد قدريًّا، أضاف العملَ إليهم والتزيينَ إلى الشيطان، وجميعُ ذلك فعلُ اللَّه٣.
وسئل بعض هؤلاء عن قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص/ ٧٥]: أيمنعه، ثمَّ يسأله ما منعَه؟ فقال٤: نعم، قضَى عليه في السرِّ ما منعه منه٥ في العلانية، ولعَنه عليه! قال له: فما معنى قوله:
(١) أنشده المؤلف في المدارج (٢/ ٣٩٦)، وهو من قصيدة مشهورة للمؤمَّل بن أمَيل المحاربي من مخضرمي شعراء الدولتين، توفي نحو ١٩٠ هـ. معجم المرزباني (٢٩٨)، معجم الأدباء (٢٧٣٣).
(٢) في الأصل و"ف": ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ٤٣﴾ وهو جزء من الآية (٤٣) من سورة الأنعام، ولكن المقصود هنا آية النمل كما أثبتنا من "ك، ط".