واعلم أنَّ الإيمان بحقيقة القدر والشرع والحكمة لا يجتمع إلا في قلوب خواصّ الخلق ولبّ العالم. وليس الشأن في الإيمان بألفاظ هذه المسمّيات وجحدِ حقائقها كما يفعل كثير من طوائف الضلال، فإنَّ القدرية تؤمن بلفظ القدر، ومنهم من يرده إلى العلم، ومنهم من يرده إلى الأمر الديني١، ويجعل قضاءَه وقدرَه هو نفسَ أمره ونهيه، ويفسر٢ مشيئة اللَّه لأفعال عباده بأمره لهم بها، وهذا حقيقة إنكار القضاء والقدر. وكذلك الحكمة، فإنَّ الجبرية تؤمن بلفظها وتجحد٣ حقيقتها، فإنَّهم يجعلونها مطابقةَ علمه تعالى لمعلومه، وإرادته لمراده. فهي عندهم وقوع الكائنات على وفق علمه وإرادته. والقدرية النفاة لا يرضون بهذا، بل يرتفعون عنه طبقةً، ويثبتون حكمةً زائدةً على ذلك، لكنَّهم ينفون قيامها بالفاعل الحكيم، ويجعلونها مخلوقًا من مخلوقاته، كما قالوا في كلامه وإرادته. فهؤلاء كلهم أقرُّوا بلفظ الحكمة، وجحدوا معناها وحقيقتها.
وكذلك الأمرُ والشرع، فإنَّ من أنكر كلام اللَّه وقال: إنَّ اللَّه لم يتكلَّم ولا يتكلَّم، ولا قال ولا يقول، ولا يحبُّ شيئًا ولا يبغض شيئًا؛ وجميعُ الكائنات محبوبةٌ له، وما لم يكن فهو مكروه له، ولا يحِبّ، ولا يحَبّ٤، ولا يرضى، ولا يغضب؛ ولا فرق في نفس الأمر بين
(١) "ف": "والنهي"، تحريف.
(٢) "ط": "نفس"، تحريف.
(٣) "ك، ط": "يجحدون".
(٤) "ولا يحَبّ" ساقط من "ك، ط".
الصدق والكذب، والبرّ والفجور١، والسجود للأصنام والشمس والقمر والنجوم وبين٢ السجود له. ولم يكلف أحدًا ما يقدر عليه، بل كلُّ تكاليفه٣ تكليفُ ما لا يطاق، ولا قدرة للمكلَّف عليه البتة. ويجوز أن يعذِّب رجالًا إذ لم يكونوا نساء، ويعذب نساءً إذ لم يكونوا رجالًا، وسودًا حيث لم يكونوا بيضًا، وعكسه٤. ويجوزُ أن يُظهر المعجزةَ على أيدي الكذَّابين، ويُرسل رسولًا يدعو إلى الباطل وعبادة الأوثان، ويأمر بقتل النفوس وأنواع الفجور.
ولا ريبَ٥ أنَّ هذا يرفع الشرائع والأمر والنهي بالكلية، ولو لا تناقض القائلين به لكانوا منسلخين من دين الرسل، ولكن مشى الحالُ بعضَ المشي بتناقضهم، وهو خير لهم من طرد أصولهم والقولِ بموجبها.
والمقصود: أنَّه لم يؤمن بالقضاء والقدر والحكمة والأمر والنهي والوعد والوعيد حقيقةَ الإيمان إلا أتباع الرسل وورثتُهم.
والقضاء والقدر منشؤه عن علم الرب وقدرته، ولهذا قال الإمام أحمد: "القدر قدرة اللَّه"٦. واستحسن ابن عقيل هذا الكلام من أحمد
(١) "ط": "الصدق والفجور والكذب والفجور"، وحذفت "الفجور" الأولى من القطرية، والصواب ما أثبتنا من الأصل وغيره.
(٢) "النجوم وبين" ساقط من "ط".
(٣) "ط": "تكليفه".
(٤) مكان "عكسه" في "ط": "وبيضًا حيث لم يكونوا سودًا".
(٥) كذا في الأصل وغيره، وهو في المعنى خبر "فإنّ" الواردة في أول الفقرة السابقة.
(٦) مسائل ابن هانئ (٢/ ١٥٥)، مجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٨).