طريق الهجرتين

غايةَ الاستحسان، وقال: إنَّه شفى بهذه الكلمة وأفصح بها عن حقيقة القدر١.

ولهذا كان المنكرون للقدر فرقتين: فرقة كذَّبت بالعلم السابق ونفَتْه، وهم غلاتهم الذين كفِّرهم السلف والأئمة وتبرأ منهم الصحابة. وفرقة جحدت كمال القدرة، وأنكرت أن تكون أفعال العباد مقدورةً للَّه تعالى، وصرَّحت بأنَّ اللَّه لا يقدر عليها. فأنكر هؤلاء كمالَ قدرة الرب تعالى، وأنكرت الأخرى كمالَ علمه. وقابلتهم الجبرية، فحافظت٢ على إثبات القدرة والعلم، وأنكرت الحكمة والرحمة.

ولهذا كان مصدر الخلق والأمر والقضاء والشرع عن علم الرب وعزته وحكمته، ولهذا يقرن تعالى بين الاسمين والصفتين٣ من هذه الثلاث٤ كثيرًا كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ٦﴾ [النمل/ ٦]، وقال: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ١﴾ [الزمر/ ١]. وقال: ﴿حمَ﴾ [غافر/ ١ - ٢].

وقال في حم فصلت٥ بعد ذكر تخليق العالم: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ١٢﴾ [فصلت/ ١٢]. وذكر نظير هذا في الأنعام، فقال: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ

  1. (١) وانظر شفاء العليل (٦٣).
  2. (٢) "ط": "فجاءت".
  3. (٣) "والصفتين" ساقط من القطرية.
  4. (٤) "ك، ط": "الثلاثة". وانظر في افتران الأسماء المذكورة ما سيأتي في ص (٢٣٠).
  5. (٥) "فصلت" ساقط من القطربة.
197

الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ [الأنعام/ ٩٦]١.

فارتباطُ الخلق بقدرته التامَّة يقتضي أن لا يخرج موجودٌ عن قدرته، وارتباطُه بعلمه التام يقتضي إحاطته به وتقدمه عليه، وارتباطُه بحكمته يقتضي وقوعه على أكمل الوجوه وأحسنها، واشتماله على الغاية المحمودة المطلوبة للرب تعالى. وكذلك ارتباط٢ أمره بعلمه وحكمته وعزَّته، فهو عليمٌ بخلقه وأمره، حكيمٌ في خلقه٣ وأمره، عزيزٌ في خلقه وأمره٤.

ولهذا كان الحكيم من أسمائه الحسنى، والحكمة٥ من صفاته العلى. والشريعة الصادرة عن أمره مبناها على الحكمة، والرسول المبعوث بها مبعوث بالكتاب والحكمة. والحكمة هي سنة الرسول ﷺ، وهي تتضمن العلم بالحق، والعمل به، والخبر عنه، والأمر به؛ فكل٦ هذا يسمَّى "حكمة". وفي الأثر: "الحكمة ضالة المؤمن"٧. وفي

  1. (١) هذه قراءة عاصم وغيره من الكوفيين، والوارد في الأصل وغيره قراءة الباقين، ومنهم أبو عمرو، ويظهر أنَّ قراءته هي المعتمدة فيها، وهي: "وجاعلُ الليلِ". انظر: الإقناع (٢/ ٦٤١).
  2. (٢) سقط "ارتباط" من "ط".
  3. (٣) "ف": "بخلقه"، سهو.
  4. (٤) "عزيز في خلقه وأمره" سقط من "ط". وأمَّا القطرية فأسقطت ما قبله أيضًا، وهو: "حكيم في خلقه وأمره".
  5. (٥) "ف": "فالحكمة"، خلافًا للأصل. وكذا في "ك، ط".
  6. (٦) "ف": "وكل"، وهي قراءة محتملة.
  7. (٧) أخرجه الترمذي (٢٦٨٧)، وابن ماجه (٤١٦٩) من حديث أبي هريرة. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإبراهيم بن الفضل المدني المخزومي يضعف في الحديث من قبل حفظه. وأخرجه البيهقي في =
198

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي