فارتباطُ الخلق بقدرته التامَّة يقتضي أن لا يخرج موجودٌ عن قدرته، وارتباطُه بعلمه التام يقتضي إحاطته به وتقدمه عليه، وارتباطُه بحكمته يقتضي وقوعه على أكمل الوجوه وأحسنها، واشتماله على الغاية المحمودة المطلوبة للرب تعالى. وكذلك ارتباط٢ أمره بعلمه وحكمته وعزَّته، فهو عليمٌ بخلقه وأمره، حكيمٌ في خلقه٣ وأمره، عزيزٌ في خلقه وأمره٤.
ولهذا كان الحكيم من أسمائه الحسنى، والحكمة٥ من صفاته العلى. والشريعة الصادرة عن أمره مبناها على الحكمة، والرسول المبعوث بها مبعوث بالكتاب والحكمة. والحكمة هي سنة الرسول ﷺ، وهي تتضمن العلم بالحق، والعمل به، والخبر عنه، والأمر به؛ فكل٦ هذا يسمَّى "حكمة". وفي الأثر: "الحكمة ضالة المؤمن"٧. وفي
(١) هذه قراءة عاصم وغيره من الكوفيين، والوارد في الأصل وغيره قراءة الباقين، ومنهم أبو عمرو، ويظهر أنَّ قراءته هي المعتمدة فيها، وهي: "وجاعلُ الليلِ". انظر: الإقناع (٢/ ٦٤١).
(٢) سقط "ارتباط" من "ط".
(٣) "ف": "بخلقه"، سهو.
(٤) "عزيز في خلقه وأمره" سقط من "ط". وأمَّا القطرية فأسقطت ما قبله أيضًا، وهو: "حكيم في خلقه وأمره".
(٥) "ف": "فالحكمة"، خلافًا للأصل. وكذا في "ك، ط".
(٦) "ف": "وكل"، وهي قراءة محتملة.
(٧) أخرجه الترمذي (٢٦٨٧)، وابن ماجه (٤١٦٩) من حديث أبي هريرة. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإبراهيم بن الفضل المدني المخزومي يضعف في الحديث من قبل حفظه. وأخرجه البيهقي في =
الحديث: "إنَّ من الشعر حكمة"١.
فكما لا يخرج مقدور عن علمه وقدرته ومشيئته، فهكذا لا يخرج عن حكمته وحمده. وهو٢ محمود على جميع ما في الكون من خيرٍ وشر حمدًا استحقه لذاته، وصدر عنه خلقُه وأمرُه. فمصدرُ ذلك كله عن الحكمة، فإنكارُ الحكمة إنكارٌ لحمده في الحقيقة٣.
فصل
وإنَّما يتبين هذا ببيان وجود الحكمة في كلِّ ما خلقه اللَّه وأمرَ به، وبيان أنَّه كلّه خير من جهة إضافته إليه سبحانه، وأنَّه من تلك الإضافة خير وحكمة، وأنَّ جهة الشر منه من جهة إضافته إلى العبد، كما قال النبيّ٤ﷺ في دعاءِ الاستفتاح: "لبَّيك وسعديك، الخيرُ في يديك، والشرُّ ليس إليك"٥.
فهذا النفي يقتضي امتناعَ إضافةِ الشر إليه تعالى بوجه، فلا يضافُ إلى ذاته ولا صفاته ولا أسمائه ولا أفعاله. فإنَّ ذاته تعالى منزَّهة عن كلِّ شرٍّ، وصفاته كذلك، إذ كلّها صفات كمال ونعوتُ جلال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، وأسماؤه كلها حسنى ليس فيها اسم ذم ولا عيب،
= المدخل (٨٤٤) عن أبي موسى الأشعري ﵁. وجاء عن معاوية، وزيد بن أسلم، وعبد اللَّه بن عبيد بن عمير. انظر: تبييض الصحيفة لمحمد عمرو عبد اللطيف (١/ ٦٧). (ز).
(١) أخرجه البخاري عن أُبيّ بن كعب ﵁ في كتاب الأدب (٦١٤٥).
(٢) "ف": "فهو" خلافًا للأصل.
(٣) زاد في "ك، ط": "واللَّه أعلم".
(٤) "النبي" لم يرد في "ك، ط".
(٥) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.