فكما لا يخرج مقدور عن علمه وقدرته ومشيئته، فهكذا لا يخرج عن حكمته وحمده. وهو٢ محمود على جميع ما في الكون من خيرٍ وشر حمدًا استحقه لذاته، وصدر عنه خلقُه وأمرُه. فمصدرُ ذلك كله عن الحكمة، فإنكارُ الحكمة إنكارٌ لحمده في الحقيقة٣.
فصل
وإنَّما يتبين هذا ببيان وجود الحكمة في كلِّ ما خلقه اللَّه وأمرَ به، وبيان أنَّه كلّه خير من جهة إضافته إليه سبحانه، وأنَّه من تلك الإضافة خير وحكمة، وأنَّ جهة الشر منه من جهة إضافته إلى العبد، كما قال النبيّ٤ﷺ في دعاءِ الاستفتاح: "لبَّيك وسعديك، الخيرُ في يديك، والشرُّ ليس إليك"٥.
فهذا النفي يقتضي امتناعَ إضافةِ الشر إليه تعالى بوجه، فلا يضافُ إلى ذاته ولا صفاته ولا أسمائه ولا أفعاله. فإنَّ ذاته تعالى منزَّهة عن كلِّ شرٍّ، وصفاته كذلك، إذ كلّها صفات كمال ونعوتُ جلال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، وأسماؤه كلها حسنى ليس فيها اسم ذم ولا عيب،
= المدخل (٨٤٤) عن أبي موسى الأشعري ﵁. وجاء عن معاوية، وزيد بن أسلم، وعبد اللَّه بن عبيد بن عمير. انظر: تبييض الصحيفة لمحمد عمرو عبد اللطيف (١/ ٦٧). (ز).
(١) أخرجه البخاري عن أُبيّ بن كعب ﵁ في كتاب الأدب (٦١٤٥).
(٢) "ف": "فهو" خلافًا للأصل.
(٣) زاد في "ك، ط": "واللَّه أعلم".
(٤) "النبي" لم يرد في "ك، ط".
(٥) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وإحسان وعدل لا تخرج عن ذلك البتة؛ وهو المحمود على ذلك كله، فيستحيل إضافة الشر إليه.
وتحقيق ذلك أنَّ الشرَّ ليس هو إلا الذنوب وعقوبتها، كما في خطبته ﷺ: "الحمدُ للَّه، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا"١. فتضمّن ذلك الاستعاذةَ من شرور النفوس، ومن سيئات الأعمال وهي عقوباتها. وعلى هذا فالإضافة على معنى "اللام" من باب٢ إضافة المتغايرين. أو يقال: المرادُ السيئاتُ من الأعمال، فعلى هذا الإضافةُ بمعنى "من"، وهي من باب إضافة النوع إلى جنسه.
ويدلُّ على الأوَّل قوله تعالى: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾[غافر/ ٩]. قال شيخنا ﵀٣: وهذا أشبه، لأنَّه٤ إذا أريد السيئات من الأعمال، فإن أريد ما وقع منها فالاستعاذة إنَّما تكون من عقوباتها، إذ الواقع لا يمكن رفعُه؛ وإن استعاذ منها قبل وقوعها لئلا يقع، فهذا هو الاستعاذة٥ من شرِّ النفس.
وأيضًا فلا يقال في هذه التي لم توجد بعدُ: "سيئات أعمالنا"، فإنها
(١) أخرجه أحمد (٣٧٢١، ٤١١٦)، وأبو داود (٢١١٨)، والترمذي (١١٠٥)، وابن ماجه (١٨٩٢) بإسناد صحيح.
(٢) "ن": "وهي من باب".
(٣) يعني شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وانظر قوله في مجموع الفتاوى (١٨/ ٢٨٩).