طريق الهجرتين

إلى الإيمان"١.

فقوله: "أبوءُ" يتضمن أني وإن جُلْتُ كما يجول الفرس -إمَّا بالذنب وإمَّا بالتقصير في الشكر- فإنِّي راجع منيب أوَّاب إليك، رجوعَ من لا غنى له عنك.

وذكر النعمةَ والذنبَ لأنَّ٢ العبد دائمًا يتقلب بينهما، فهو بين نعمةٍ من ربِّه وذنبٍ منه هو، كما في الأثر الإلهي: "ابنَ آدم خيري إليك نازل، وشرُّك إليَّ صاعد. كم أتحبَّب إليك بالنعم، وأنا غني عنك! وكم تتبغض إليَّ بالمعاصي، وأنت فقير إلي! ولا يزال الملك الكريم يعرُج إليَّ منك بعمل قبيح"٣.

وكان في زمن الحسن البصري شابّ لا يُرى إلا وحده، فسأله الحسن عن ذلك فقال: إنِّي أجدني بين نعمةٍ في اللَّه وذنبٍ منِّي، فأريد أن أحدِثَ

  1. (١) أخرجه أحمد (١٥٢٦)، وابن حبان (٦١٦)، وأبو الشيخ في الأمثال (٣٥٢) وغيرهم. وفي سنده ضعف. تفرَّد به أبو سليمان الليثي عن أبي سعيد الخدري. وأبو سليمان مجهول. وفيه عبد اللَّه بن الوليد، فيه ضعف. قال ابن طاهر المقدسي: حديث غريب لا يذكر إلا بهذا الإسناد. انظر: تعجيل المنفعة (٢/ ٤٧٣). (ز).
  2. (٢) "ف": "أنّ"، خلافًا للأصل.
  3. (٣) نقله المصنف في المدارج (١/ ٥٤٥)، والزاد (٢/ ٤٠٩)، وشفاء العليل (٣٦٤)، وسيأتي مرّة أخرى في ص (٦٨٧). أخرجه نعيم في الحلية (٤/ ٣١) عن وهب بن منبه قال: قرأت في بعض الكتب فوجدت اللَّه تعالى يقول. . . (ص).
    وقد أخرجه ابن أبي الدنيا في الشكر (٤٣) عن مالك بن دينار قال: قرأت في بعض الكتب: إن اللَّه ﷿ يقول. . . فذكره. (ز).
205

للنعمة شكرًا وللذنب استغفارًا، فذلك الذي شغلني عن النَّاس، أو كما قال. فقال له: "أنت أفقه عندي١ من الحسن"٢.

فالخيرُ كله من اللَّه كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل/ ٥٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ٧ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ﴾ [الحجرات/ ٧ - ٨].

وقال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ١٧﴾ [الحجرات/ ١٧].

وقال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ٦ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ٧﴾ [الفاتحة/ ٦ - ٧]. وهؤلاء المنعَم عليهم هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ٦٩﴾ [النساء/ ٦٩].

فالنعم كلُّها -من٣ نعم الدِّين والدنيا، وثواب الأعمال في الدنيا والآخرة٤ - من نِعَمِ اللَّه ومنِّه٥ وفضله على عبده. وهو تعالى، وإن

  1. (١) لم يرد "عندي"، في "ك، ط".
  2. (٢) نقله المصنف في عدة الصابرين (٢٤٣)، وقد أخرجه ابن أبي الدنيا في الشكر (١٩٦).
  3. (٣) "من" ساقط من "ك".
  4. (٤) قوله "من نعم الدين. . . " إلى هنا ساقط من "ط".
  5. (٥) "ومنّه" ساقط من "ط".
206

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي