طريق الهجرتين

بخلق الأضداد، وكمالُ الحكمة بتنزيلها١ منازلها ووضع كلٍّ منها في موضعه. والعالِمُ من لا يُلقي الحربَ بين قدرة اللَّه وحكمَته، فإن آمن بالقدرة قدَحَ في الحكمة وعطَّلها، وإن آمن بالحكمة قدَح في القدرة ونقَضها٢؛ بل يربط القدرة بالحكمة، ويعلم شمولهما لجميع ما خلقه اللَّه ويخلقه، فكما أنَّه لا يكون إلا بقدرته ومشيئته، فكذلك لا يكون إلا بحكمته.

وإذا كان لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة بهذا تفصيلًا، فيكفيها الإيمانُ بما تعلَم وتشاهد منه، ثمَّ تستدل على الغائب بالشاهد، وتعتبر ما علمت بما لم تعلم٣. وقد ضربَ اللَّه سبحانه الأمثال لعباده في كتابه، وبيَّن لهم ما في لوازم ما خلقه لهم وأنزله عليهم من الغيث الَّذي به حياتهم وأقواتهم وحياةُ الأرضِ والدوابّ، وما خلقه لهم من النار٤ التي بها صلاحُ أبدانِهم وأقواتِهم وصنائعهم، من الشر الجزِئي٥ المغمور بالإضافة إلى الخير الحاصل بذلك، فقال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ١٧﴾ [الرعد/ ١٧].

فأخبر سبحانه أنَّ الماءَ بسبب مخالطته الأرض٦ إذا سال فلا بد من

  1. (١) "ك، ط": "تنزيلها".
  2. (٢) الأصل غير منقوط، والمثبت من "ف" وغيرها.
  3. (٣) كذا في الأصل وغيره، ولعل الصواب: "وتعتبر بما علمت ما لم تعلم".
  4. (٤) في الأصل: "النار" وهو الصواب هنا، ولكن كأنَّه مضروب عليه، وفي "ف": "المعارف"، وفي "ك، ط": "المعادن "ويشبهه رسمه في "ن".
  5. (٥) "ك، ط": "الشر والخير وبين المغمور"، تحريف.
  6. (٦) "ك": "الأرض". "ط": "الماء بمخالطته سبسب الأرض"، تحريف.
222

أن يحمل السيل من الغثاء والوسخ وغيره زبدًا عاليًا على وجه السيل. فالذي لا يعرف ما تحت الزبد يقصرُ نظرَه عليه، ولا يرى إلا غثاءً ووسخًا ونحو ذلك، ولا يرى ما تحته من مادة الحياة. وكذلك ما يستخرج من المعادن من الذهب والفضة والحديد والنحاس١ وغيرها، إذا أُوقِد عليها في النار لتتهيأ للانتفاع٢ بها خرَج منها خَبَثٌ ليس من جوهرها ولا يُنتفَع به. وهذا لا بدَّ منه في هذا وهذا٣.

وقد ذمّ تعالى من ضعفت بصيرتُه من المنافقين، وعميَ عمّا في القرآن ممّا به يُنال كل سعادة وعلم وهدىً وصلاح وخير في الدنيا والآخرة، ولم يجاوز٤ بصرُه وسمعُه رعودَ وعيده وبروقَها وصواعقَها، وما أعدّ اللَّه لأعدائه من عذابه ونكاله وخزيه وعقابه، الَّذي هو -بالإضافة إلى ما فيه من حياة القلوب والأرواح، ومن٥ المعارف الإلهية، وتبيين٦ طريق العبودية التي هي غاية كمال العبد- يسيرٌ٧، وهو مقصود لتكميل ذلك وتمامه.

قال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ

  1. (١) "ف": "النحاس والحديد" خلافًا للأصل وغيره.
  2. (٢) "ك، ط": "ليتهيأ الانتفاع".
  3. (٣) في "ط" زيادة: "يجاوزه بصره"، ولعلها من آثار مجاوزة البصر!
  4. (٤) "ط": "لمن لم يجاوز".
  5. (٥) "من" ساقط من "ك".
  6. (٦) ك": "وتبين"، "ط": "يبين".
  7. (٧) "يسير" سقط من "ك، ط"، فاختلَّ معنى الجملة مع إصلاحها في "ط".
223

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي