طريق الهجرتين

طاحونٍ شديدِ الدوران، أيّ شيء خطَفه ألقاه تحتَه وأفسده، وعنده قيِّمُه الَّذي يديره١، وقد أحكمَ أمرَه لينتفع به ولا يضرَّ أحدًا. فربّما جاءَ الغِرّ الَّذي لا يعرف فيتقرّب منه٢، فيخرق ثوبه أو بدنه، أو يؤذيه. فإذا قيل لصاحبه: لِمَ لَمْ تجعله ساكنًا لا يؤذي من اقترب منه؟ قال: هذه صفته اللازمة التي كان بها دولابًا وطاحونًا، ولو جُعِلَ٣ على غير هذه الصفة لم تحصل به الحكمة المطلوبة منه.

وكذلك إذا قدَّرنا٤ نار الأتُّون التي تُحرق ما وقع فيها، وعندها وقَّاد حاذق يحُشها٥، فإذا غفل عنها أفسدت. وإذا أرادَ أحد أن يقرب منها نهاه وحذَّره، فإذا استغفله مَن قرب منها حتَّى أحرقته لم يقل لصاحب النَّار: هلَّا قلَّلتَ حرَّها لئلا تفسد من يقرب٦ منها وتُحرقه؟ فإنَّه يقول: هذه صفتها التي لا يحصل المقصود منها إلا بها، ولو جعلتها دون ذلك لم تُحرق أحجارَ الكِلْس٧، ولم تطبخ الآجُرّ، ولم تُنضِج الأطعمة الغليظة ونحو ذلك.

فما يحصل من الدولاب والطاحون ومن النَّارِ من نفعها هو من فضل اللَّه ورحمته، وما يحصل بها من شر هو من طبيعتها التي خُلِقَت عليها، التي٨ لا تكون نارًا إلا بها، فلو خرجت عن تلك الطبيعة لم تكن نارًا،

  1. (١) "ك": " يدبره".
  2. (٢) "ك، ط": "فيقترب"، وأصلح في القطرية.
  3. (٣) "جعل" سقط من القطرية.
  4. (٤) كذا في الأصل و"ف". وفي "ك": "أوقد". وفي "ط": "أوقدنا".
  5. (٥) أي يوقدها. وفي "ك": "يحشيها"، تحريف، وفي "ط": "يحشوها".
  6. (٦) قراءة: "ف": "تقرب"، وهي غير منقوطة في الأصل.
  7. (٧) الكِلس: الجير.
  8. (٨) "ط": "والتي".
225

وكذلك النفس، ما١ يحصل لها من شرٍّ فهو منها ومن طبيعتها ولوازم نقصها وعدمها، وما حصل لها من خيرٍ فهو من فضل اللَّه ورحمته. واللَّه خالقها وخالق كل شيء قام بها من قدرة وإرادة وعلم وعمل وغير ذلك.

فأمَّا٢ الأمور العدمية فهي باقية على ما كانت عليه من العدم، والإنسان جاهل ظالم بالضرورة، كما قال تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ٧٢﴾ [الأحزاب/ ٧٢]، فإنَّ اللَّه أخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئًا. والظلم هو النقص، كما قال تعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف/ ٣٣]، أي لم تنقص منه شيئًا٣، وهي ظالمة نفسها فهي الظالمة المظلومة، إذ كانت منقوصةً من كمالها بعدم بعض الكمالات أو أكثرها منها٤. وتلك الكمالات التي عدمت كان وجودها سببًا لكمالات أخر، فصار عدمها مستلزمًا لعدم تلك الكمالات، فعَظُمَ النقص، واشتدَّ العيب بحسبه، وفقدت من لذَّاتها وسرورها ونعيمها٥ وبهجتها وروحها بحسب ما فقدت من تلك الكمالات٦ التي لا سعادة لها بدونها، فإنَّ أحد الموجودين قد يكون مشروطًا بالآخر فيستحيلُ وجوده بدونه، لأنَّ عدم الشرط يستلزمُ عدمَ المشروط. فإذا عدمت النفسُ هذا الكمالَ المستلزم لكمالٍ آخر مثلِه أو أعلى منه، وهي موصوفة بالنقص الَّذي هو

  1. (١) "ك، ط": "فما".
  2. (٢) "ك": "وأمَّا".
  3. (٣) العبارة "والظلم هو النقص" إلى هنا ساقطة من "ط".
  4. (٤) "ك، ط": "بها".
  5. (٥) "ف": "ونعيمها وسرورها" خلافًا للأصل.
  6. (٦) العبارة "فعظم النقص. . . " إلى هنا ساقطة من "ك، ط" لانتقال النظر، وقد استدركت فيما بعد في حاشية "ك".
226

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي