سبحانه إن لم يغفره للإنسان فيقيه السيئاتِ، ويرحمْه فيؤتيه١ الحسناتِ وإلّا هلك ولا بدّ، إذ كان ظالمًا لنفسه ظلومًا بنفسه. فإنّ نفسه ليس عندها خير يحصل لها منها، وهي متحرّكة بالذات، فإن لم تتحرّك إلى الخير تحرّكت إلى الشرّ فضرّت صاحبَها. وكونُها متحرّكةً بالذات من لوازم كونها نفسًا لأنّ ما ليس حسّاسًا متحرّكًا بالإرادة فليس نفسًا.
وفي٢ الصحيح عن النبي ﷺ: "أصدق الأسماء حارث وهمام"٣ فالحارث: الكاسب العامل، والهمّام: الكثير الهمّ، والهمّ مبدأ الإرادة، فالنفس لا تكون إلّا مريدةً عاملةً؛ فإن لم توفَّق للإرادة الصالحة وإلَّا وقعت في الإرادة الفاسدة والعمل الضارّ٤.
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ١٩ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ٢٠ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ٢١ إِلَّا الْمُصَلِّينَ ٢٢﴾[المعارج/ ١٩ - ٢٢] فأخبر تعالى أنّ الإنسان خُلِق على هذه الصفة، وإنّ من كان على غيرها فلأجل ما زكّاه اللَّه به من فضله وإحسانه.
وقال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ٢٨﴾[النساء/ ٢٨] قال طاووس ومقاتل وغيرهما: لا يصبر عن النساءِ٥. وقال الحسن: هو خلقه من
(١) "فيقيه. . فيؤتيه" كذا ورد الفعلان بثبوت حرف العلة، انظر ما علقناه آنفًا.
(٢) "ط": "ففي"، "ك": "في".
(٣) أخرجه أحمد (١٩٠٣٢)، وأبو داود (٤٩٥٠)، والبخاري في الأدب المفرد (٨١٤) وغيرهم عن أبي وهب الجشمي. وهو معلول. أعلَّه أبو حاتم الرازي بالإرسال. انظر: علل ابن أبي حاتم (٢/ ٣١٢ - ٣١٣). (ز).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٢٦) (٥١٧٦، ٥١٧٧). (ز)، وانظر: معالم التنزيل (٢/ ١٩٩)، زاد المسير (٢/ ٦٠).
ماءٍ مهينٍ١. وقال الزجّاج: ضعف عزمه عن قهر الهوى٢. والصواب أنّ ضعفه يعمُّ هذا كلّه، وضعفه أعظم من هذا وأكثر، فإنّه ضعيف البنية، ضعيف القوة، ضعيف الإرادة، ضعيف العلم، ضعيف الصبر. والآفات إليه مع هذا الضعف أسرعُ من السيل في الحَدور٣. فبالاضطرار لا بدّ له من حافظ معين يقوّيه ويعينه وينصره ويساعده، فإن تخفى عنه هذا المسعِد٤ المعين فالهلاكُ أقرب إليه من نفسه.
وخلقُه على هذه الصفة هو من الأمور التي يحمد عليها الربُّ ﷻ ويثنى عليه بها، وهو موجَب حكمته وعزَّته. فكل ما يحدث من هذه الخلقة وما٥ يلزمُ عنها فهو بالنسبة إلى الخالق سبحانه خيرٌ وعدلٌ وحكمة، إذ مصدر هذه الخلقة عن صفات كماله من غناه وعلمه وعزته وحكمته ورحمته. وبالنسبة إلى العبدِ ينقسمُ٦ إلى خير وشر وحسن
(١) معالم التنزيل (٢/ ١٩٩)، زاد المسير (٢/ ٦٠).
(٢) زاد المسير (٢/ ٦٠). وفي معاني الزجاج (٢/ ٤٤): "أي يستميله هواه".
(٣) الحَدور: الموضع المنحدر. وفي "ك، ط": "صيب الحدور" وهو تصحيف وغلط. وصواب الكلمة الأُولى: "صَبَب" وهو بمعنى الحدور. ولعلّ سبب الغلط أن في الأصل: "الصبب الحدور" وضرب على الكلمة الأُولى، ولكن خط الضرب لم يشملها كفها، فظن بعض الناسخين أن المضروب عليه لام التعريف فقط. وأنّ المقصود: "صبب الحدور"، ثم صحفت الموحدة بالمثناة. وسيأتي المثل مرة أخرى في ص (٦٤٤) وقد ذكره حمزة الأصفهاني في أمثاله (١٨٩) بلفظ ". . . إلى الحدور"
(٤) من أسعَدَ: أعانَ. وكتب فوقه في (ك): "صح". وفي الحاشية: "ظ المساعد". وفي "ط": "المساعد"، ولعلّه تغيير من الناشر.