طريق الهجرتين

وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون/ ٨].

وقال ابن مسعود: "ما زلنا أعزَّةً منذ أسلم عمر"١. وقال النبي ﷺ: "اللَّهم أعِزَّ الإسلامَ بأحد هذين الرجلين: عمرَ بن الخطاب، أو أبي جهل ابن هشام"٢.

وفي بعض الآثار: إنَّ النَّاس يطلبون العزَّة في أبواب الملوك، ولا يجدونها إلا في طاعة اللَّه٣.

وفي الحديث: "اللَّهم أعِزَّنا بطاعتك ولا تذلّنا بمعصيتك"٤.

وقال بعضهم: من أراد عزًّا بلا سلطان، وكثرةً بلا عشيرة، وغنًى بلا مال، فلينتقل من ذل المعصية إلى عز الطاعة.

فالعزَّة من جنس القدرة والقوَّة. وقد ثبت في الصحيح عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قال: "المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى اللَّه من المؤمن الضعيف؛ وفي

  1. (١) أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب مناقب عمر بن الخطاب (٣٨٨٤).
  2. (٢) أخرجه الترمذي (٣٦٨١) وأحمد (٥٦٩٦) وابن حبان (٦٨٨١) وابن عدي في الكامل (٣/ ٥١) وغيرهم من طريق خارجة بن عبد اللَّه الأنصاري عن نافع عن ابن عمر. قال الترمذي: "حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر". قلت: خارجة الأنصاري فيه ضعف، وقد تفرد بهذا عن نافع. (ز).
  3. (٣) ذكره المؤلف في إغاثة اللهفان (١٠٦).
  4. (٤) ذكره المؤلف في الداء والدواء: (٩٤) "من دعاء بعض السلف". وقد أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٢٨) من دعاء جعفر الصادق. وكان عامة دعاء إبراهيم بن أدهم: "اللهم انقلني من ذل معصيتك إلى عزّ طاعتك"، انظر: الحلية (٨/ ٣٢).
232

كلٍّ خير"١.

فالقدرةُ إن لم تكن معها حكمة، بل كان القادر يفعل ما يريده، بلا نظر في العاقبة، ولا حكمة محمودة يطلبها بإرادته ويقصدها بفعله، كان فعله٢ فسادًا، كصاحب شهوات الغي والظلم، الَّذي يفعل بقوّته ما يريده من شهوات الغي في بطنه وفرجه ومن ظلم الناس، فإنَّ هذا وإن كان له قوَّة وعزَّة لكن لما لم يقترن بها حكمة كان ذلك معونةً على شرِّه وفساده.

وكذلك العلمُ كمالُه أن يقترن به الحكمة، وإلا فالعالم الَّذي لا يريد ما تقتضيه الحكمة وتوجبه، بل يريد ما يهواه = سفيهٌ غاوٍ، وعلمه عون له على الشرِّ والفساد.

هذا إذا كان عالمًا قادرًا مريدًا له إرادة من غير حكمة. وإن قدَّر أنَّه لا إرادة له بحال فهذا أوَّلًا ممتنع من الحي، فإنَّ وجود الشعور بدون حب ولا بغض ولا إرادة ممتنعٌ كوجود إرادةٍ بدون الشعور. وأمَّا القدرة والقوَّة إذا قدّر وجودها بدون إرادة فهي كقوة الجماد، فإنَّ القوَّة الطبيعية: التي هي مبدأ الفعل والحركة٣، وقد قال بعض النَّاس: إنَّ لمحلِّها٤ شعورًا يليق به، واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا

  1. (١) سبق تخريجه في ص (١٤٧).
  2. (٢) "ك، ط": "فعلها".
  3. (٣) زاد هنا في "ط" بين حاصرتين: "لا إرادة لها" ليكون خبرًا لإنّ، وقال في الحاشية إن في الأصل بياضًا! ولا بياض في أصولنا.
  4. (٤) في "ط": "إن [للجماد] " وذكر في الحاشية أن في الأصل (تحملها) وهو تحريف". والصواب ما أثبتنا.
233

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي