طريق الهجرتين

حاليهم-١ وبين التزام تلك العظائم التي تُخرِج عن الإيمان، كما كان نفاة الحكمة والأسباب والغايات كذلك.

فهدى اللَّه الطائفة الرابعة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ٢١٣﴾ [البقرة/ ٢١٣]، فآمنوا بالكتاب كلُّه، وأقرّوا بالحق جميعه، ووافقوا كلَّ واحدة من الطائفتين على ما معها من الحقِّ، وخالفوهم فيما قالوه من الباطل. فآمنوا بخلق اللَّه وأمره بقدره وشرعه، وأنَّه سبحانه المحمود على خلقه وأمره، وأنَّ٢ له الحكمة البالغة والنعمة السابغة، وأنَّه على كلِّ شيء قدير. فلا يخرج عن مقدوره٣ شيء من الموجودات أعيانِها وأفعالِها وصفاتِها، كما لا يخرج عن علمه؛ فكل ما تعلَّق به علمُه من العالم تعلَّقت به قدرته ومشيئته.

وآمنوا٤ مع ذلك بأنَّ له الحجة على خلقه، وأنَّه لا حجَّة لأحدٍ عليه بل للَّه الحجة البالغة، وأنَّه لو عذب أهل سماواته وأهلَ أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، بل كان تعذيبهم٥ عدلًا منه وحكمة، لا بمحض المشيئة المجرَّدة عن السبب والحكمة، كما يقوله الجبرية.

ولا يجعلون القدرَ حجَّةً لأنفسهم ولا لغيرهم، بل يؤمنون به ولا يحتجون به، ويعلمون أن اللَّه سبحانه أنعم عليهم بالطاعات وأنَّها من نعمته عليهم وفضله وإحسانه، وأنَّ المعاصي من نفوسهم الظالمة

  1. (١) "ك، ط": "حالهم".
  2. (٢) "ك، ط": "وأنَّه".
  3. (٣) "ن": "قدرته".
  4. (٤) "ك": "فآمنوا".
  5. (٥) "ف": "يعذبهم"، أخطأ في قراءة الأصل. وفي "ك، ط": "تعذيبهم منه".
237

الجاهلة، وأنَّهم هم جُناتها وهم الذين اجترحوها، ولا يحملونها على القضاءِ والقدر، مع علمهم بشمول قضائه وقدره لما في العالم من خيرٍ وشرٍّ وطاعة وعصيان وكفر وإيمان؛ وأنَّ مشيئة اللَّه سبحانه محيطةٌ بذلك كإحاطة علمه به، وأنَّهُ لو شاءَ أَلَّا يُعصى لما عُصِيَ، وأنَّه سبحانه١ أعزّ وأجلّ من أن يعصى قسرًا، والعباد أقل من ذلك وأهون؛ وأنَّه ما شاء اللَّه كان، وكلُّ كائن فهو بمشيئته، وما لم يشأ لم يكن، وما٢ لم يكن فلعدم مشيئته، فله الخلق والأمر، وله الملك والحمد، وله القدرة التامة والحكمة البالغة٣.

فهذه الطائفة هم٤ أهل البصر التام، والأُولى لهم العمى المطلق، والثانية والثالثة عُورٌ٥، كلُّ طائفة منهما لهم٦ عين عين٧، ومع هذا فسرى العمى من العين العمياء إلى العين الصحيحة فأعماها أو كاد٨. ولا يستنكِر٩ تكرارَ هذه الكلمات من يعلم شدَّة الحاجة إليها

  1. (١) "ف": "واللَّه سبحانه"، خلافًا للأصل.
  2. (٢) "ط": "من"، وأصلح في القطرية.
  3. (٣) "ط": "الحكمة الشاملة البالغة". وقد اضطربت نسخة "ك" لدخول حاشية (كانت في أصلها) في النص.
  4. (٤) وقع في الأصل: "هل" سهوًا، فترك ناسخ "ف" مكانها بياضًا. والصواب ما أثبتنا من "ك، ط".
  5. (٥) "عور" سقط من "ك، ط"، وهو جمع أعوَر وعوراء.
  6. (٦) "ط": "له"، خطأ.
  7. (٧) "ط": "عمياء". ورسم الكلمة في الأصل يشبه "عيره" أو "عائرة". وأثبت ناسخ "ف": "عميى"، ولا يقصد تأنيث أعمى، فإنَّ رسمها المعهود في الأصل: "عميا". والمثبت من "ن، ك" مع شك في صحته.
  8. (٨) "أو كاد" ساقط من "ط".
  9. (٩) "ك، ط": "يستكثر"، تصحيف.
238

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي